ذلك أبدا. ومن ثم تسقط اعتراضات الرجل، ولا يصح ولا يحق له أن يعممها، ولا يصدرها حكما عاما. و عليه فإن هذا الرجل إما أنه لا علم له بالمنهج الشرعي في التفسير، وإما أنه تناساه لغايات في نفسه يريد الوصول إليها.
و ثانيا ليس صحيحا أن تفسير القرآن يعني تغيير الحاضر ليتطابق مع نموذج الماضي الذي نزل فيه القرآن. فهذا زعم باطل لأن القرآن الكريم كتاب الله تعالى، وليس كتاب إنسان خاضع لتاريخيته التي ظهر فيها. فهو كتاب الله الخاتم الذي اخترق حواجز الغيب ماضيا وحاضرا ومستقبلا. والقرآن الكريم عندما نزل كان يتخلص من تاريخية الظروف التي نزل فيها والتي قد تعوقه، ولم يسجل إلا بعضها التي لا تعوقه، وتكون شاهدا تاريخيا على الدعوة أيضا. هذا فضلا عن أحكامه التي نزلت دون أسباب نزول، وعن مفاهيمه وأخباره وعقائده التي تجردت عن الزمان والمكان. وحتى أحكامه التي كانت تنزل لتصحيح بعض الانحرافات في المجتمع الإسلامي كانت تتخلص من تاريخيتها التي تخصصها، فلم تذكر الأسماء و لا الأمكنة، ولا تتقيد بذلك. وإنما كانت تنزل بالحكم وتعممه، كقوله تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» -سورة المائدة:90 - . فهذا حكم عام يشمل كل المسلمين، وغير مرتبط بشخص معين، ولا بزمان ولا بمكان محددين. وقل كذلك في كل الأحكام الشرعية، فهي عامة ليست مرتبطة بظروفها التاريخية التي نزلت فيها، كتحريم الزنا. فهو حكم عام يشمل المسلمين كلهم، وليس خاصا بفرد أو جماعة، وهو تحريم مُؤبد، لا يتغير ولن يتغير بتغير الزمان والمكان. وأما التغيرات و التحولات العملية التي تواكب التطورات البشرية على كل المستويات، فالاجتهاد الشرعي هو الذي يتولى التعامل معها وفق الضوابط الشرعية، و بطريقة شرعية عقلانية علمية.
علما بأن مضمون القرآن لا يتمثل في الأحكام الشرعية العملية فقط، فهي لا تمثل إلا القليل منه بالمقارنة إلى الجوانب الأخرى التي تضمنها القرآن، و التي لا تخضع للتاريخية التي ظهر فيها كتاب الله. منها طبيعيات القرآن ومنطقياته،