إذا التزم المفسر بخطوات المنهج الشرعي التزاما صحيحا وكاملا. وفي هذه الحالة يكون صوابه كثير جدا، وخطؤه قليل جدا. وأما إذا اتبع المفسر المنهج المنحرف فإن أخطاءه ستكون كثيرة جدا، وصوابه قليل جدا. لأن هذه الأخطاء هي أخطاء تطبيقية جاءت نتيجة الخطأ في السببين الأول والثاني. فنتج عن هذين الخطأين المنهجين أخطاء عملية كثيرة، مقابل صواب قليل جدا. وعليه فإننا ُنقرر: إن الصواب في المنطلق والمنهج يؤدي إلى كثرة الصواب وقلة الخطأ، وإذا كان تطبيقه صحيحا وصارما فإن الأخطاء لا تكاد تقع في الغالب إلا نادرا. لكن الخطأ في المنطلق والمنهج يؤدي في الغالب إلى كثرة الأخطاء وقلة الصواب.
وأما السبب الأخير- الرابع- فيتمثل في اختلاف المفسرين في قدراتهم الذاتية، ومعارفهم المكتسبة، واختلاف زوايا نظرهم. فيؤدي ذلك إلى توسيع مجال الاختلاف وتعميقه، وكثرة الآراء المتباينة. و يزداد ذلك عددا وعمقا وشدة، إذا اختلفت قدرات وغايات المفسرين ومناهجهم. وأما إذا توحدت فإن مجال الخلاف سيضيق، وتتقارب وجهات النظر التي تندرج ضمن اختلاف التنوع لا التناقض.
ومما يؤكد ذلك أن حسن حنفي نفسه أشار إلى ما قررناه عندما نصّ على أن «كثيرا ما تتدخل الأهواء، والمصالح الشخصية، والظنون والمعتقدات لتملأ النص» أي الوحي [1] .
فقوله هذا شاهد دامغ وصحيح على أن الأهواء والمصالح الشخصية، والظنون والمذاهب والمعتقدات تتدخل في إفساد النص الشرعي. لكن لا يصح القول: إن تلك التفسيرات المنحرفة تتدخل لتملأ النص، فهذا زعم باطل لأن النص الشرعي ليس فارغا، ولا يمكن تفريغه. لكن الذي يحدث هو أن المفسرين المنحرفين يحاولون تحريف النص الشرعي بالتأويل التحريفي، لإخراجه عن أصله ومدلوله الحقيقي، لغايات في أنفسهم. لكن محاولاتهم هذه لن تتمكن من تحقيق ذلك، لأن النصوص الشرعية مُحكمة ومُفصلة ترفض أي تفسير يخالفها. وأي تفسير يحرف الشرع، فاعلم أنه تفسير باطل شرعا، وعقلا، وعلما. و عليه فإن أعمال هؤلاء المفسرين
(1) من العقيدة إلى الثورة، ج1،ص:376