فأما من الشرع فهو قد نص صراحة على حرية الإنسان في المجال المُخير فيه، وأمره بالعبادة والعمل الصالح، وحذره من الانحراف عن الشرع، وحمّله مسؤولية إهماله و تهاونه فيما كُلّف به. وهذا كله يستلزم أن الإنسان قادر على التغيير، و التغلب على العوائق والصعوبات التي تواجهه على المستويين النفسي والاجتماعي. والشواهد الشرعية على ذلك كثيرة جدا، منها قوله تعالى: «َقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا» -سورة الكهف:29 - ، و «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بأنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ» -سورة الرعد:11 - ،و «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» -سورة التوبة:105 - ،و «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا» -سورة الشمس:7 - 9 - .
و أما عقلا فالأمر واضح أيضا، فكل إنسان يحس بداخله ومن نفسه أنه حر في مجالات واسعة، وله القدرة والإرادة على تغيير نفسه وأفكاره، وكثيرا من واقعه في منزله ومجتمعه. وكل الناس يحسون بذلك، وفي مقدورهم فعله في الواقع. لكن اختلاف الهِمم والقدرات، و وجود العوائق النفسية والخارجية هي التي تحد من نشاطهم. لكن هذه العوائق ليست حتمية، ويمكن تحديها وتجاوزها إذا توفرت الإرادة والشجاعة والعوامل المساعدة.
والشواهد الواقعية على ما ذكرناه كثيرة جدا، منها أن اختلاف الناس في عقائدهم ومصالحهم، ومذاهبهم وثوراتهم، هي أدلة قاطعة على عدم وجود تلك الحتمية الاجتماعية المزعومة. لأنها لو كانت موجودة فعلا وواقعا، ما حدث ذلك الاختلاف بين الناس أصلا. وبما أنه حدث، فهذا يعني أنه توجد إرادة حرة قادرة على العمل، والتكيف مع الظروف، أو تحديها، أو رفضها و تحطيمها إن استدعى الأمر. و هذا أمر ثابت واضح في الثورات وحركات الإصلاح في كل جهات العالم قديما وحديثا. فهي أدلة قاطعة على قدرة الإنسان على التحدي والتغيير، والتصدي