الصفحة 196 من 643

والقول الثاني يتمثل في قوله: «إن حجة الواقع ليست حجة على الفكر، وإلا كان الفقر في بلاد الإسلام حجة على أن دين الإسلام دين الفقر [1] . وبما أن الطبقية الاجتماعية وكل الطبقات هي جزء من الواقع، و لا حجة للواقع على الفكر، فهي إذن ليست حجة على الفكر، ومن ثم فالفكر قادر على التفكير الحر في كل مجالات الحياة من دون أن يخضع للطبقية ولا للحتمية الاجتماعية المزعومة.

والشاهد الثالث مفاده هو أن حسن حنفي أشار إلى أنه كثيرا ما تتدخل الأهواء والمصالح الشخصية، والظنون والمعتقدات في تغيير مضمون النصوص الشرعية [2] . ومعنى هذا أنه لا توجد حتمية اجتماعية طبقية ضاغطة تُحدد للمفسر نوع تفسيراته، و إنما الحقيقة هي أنه تتدخل عوامل كثيرة في عملية التفسير، فتؤثر في المفسر وتضغط عليه. لكنها ليست عوامل حتمية، و وهي مرتبطة أساسا بإرادة الإنسان الحرة المتحكمة في كل ذلك، وهي صاحبة الكلمة الأخيرة.

والشاهد الرابع مفاده هو أن الرجل ذكر أن الطبقات الاجتماعية، وهي: العليا، والوسطى، والدنيا، كل منها تنتقي من النصوص الشرعية ما يخدمها ويدافع عن مصالحها [3] . وهذا شاهد قوي على أن المسألة ليست مسالة حتمية، ولا قهر، ولا ضرورة، ولا هو خضوع قسري للطبقة الاجتماعية في تفسير القرآن. وإنما هي عملية اختيارية حرة تهدف إلى خدمة طبقة معينة حسب مصالحها، وهذا فعل إرادي حر اختياري لا حتمية فيه ولا قهر. و يستطيع أي مفسر-إن أراد- أن لا يخضع لضغوط طبقته التي ينتمي إليها، و يتخذ مواقف ضدها، و يُفسر القرآن تفسيرا علميا موضوعيا، شرعيا لا طبقيا. و إلا ما كانت هناك عملية انتقاء واختيار من جهة؛ وما وُجد هذا التنوع في المجتمع أصلا. فوجود هذا التنوع هو دليل قاطع على عدم وجود تلك الحتمية المزعومة، وإلا كان المجتمع كله طبقة واحدة لو كانت تلك الحتمية موجودة. لكن الرجل بما أنه مغالط ومبالغ في مواقفه، فإنه حول المؤثرات والعوائق الداخلية والخارجية إلى حتميات وضروريات مفروضة على

(1) نفس المرجع، ج7،ص:216

(2) من العقيدة إلى الثورة، ج1 ص:376

(3) الدين والثورة في مصر ج7،ص:118

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت