تتمثل في الظلم الاجتماعي بالمعنى الواسع. منها عدم العدل في توزيع الثروات، وعدم تكافؤ الفرص، و حرمان الأمة من أن تختار من يحكمها بالشورى والرضا والاختيار الحر الحقيقي. فمأساتنا ومشكلتنا ليست في التفاوت في الثروة بالضرورة. لأن التفاوت فيها هو نتيجة و ليس سببا، فقد يكون حقا وعدلا ومطلوبا، وقد يكون ظلما وباطلا. وبما أن الأمر كذلك فإن مأساتنا لا تكمن فيما زعمه حسن حنفي.
والشواهد على صحة ما قلناه كثيرة جدا، منها أن التفاوت العادل بين الناس في الرزق هو حقيقة لا يمكن إنكارها شرعا ولا عقلا ولا واقعا. لأنها نتيجة حتمية و منطقية لاختلاف الناس في قدراتهم العقلية والجسمية، و في دوافعهم ونشاطهم، وعقائدهم وهممهم، وطموحاتهم وأهدافهم. وبما أن الناس كذلك فأن التفاوت في الرزق - في هذه الحالة- ضروري وطبيعي ومن ينكره أو يرفضه فهو ظالم ومكابر، ومعاند ينكر الشمس في رابعة النهار، تعصبا وإتباعا للهوى. و المطلوب في هذه الحالة أن يكون التفاوت بعدل وحكمة وتوازن، بلا إفراط ولا تفريط، ولا يصح أن نعمل على إزالة هذا النوع من التفاوت، لأنه مخالف للشرع، والعقل، والفطرة، والواقع، وهو ظلم أيضا. و يؤدي في النهاية إلى قتل الهمم، والتشجيع على السلبية والخمول والكسل من جهة؛ و معاقبة المجتهد و مكافأة الكسول، و إفساد المجتمع كله في النهاية من جهة أخرى.
لذلك فإن الشرع عندما نصّ على مبدأ التفاوت في الأرزاق، يكون قد نصّ على أمر طبيعي، وسنة كونية من سنن العمران البشري. وليس ذلك ظلما ولا عيبا، لكنه -من جهة أخرى - حرّم الظلم و، و نهى عن احتكار الثروة، و جعل للفقراء حقا في أموال الأغنياء، و شرّع أحكاما تحد من التفاوت الطبقي الظالم والفاحش. لذا قال الله تعالى: «مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» -سورة الحشر:7-.و الشرع أقام مجتمعا قويا يقوم على العدل والإحسان والأخوة، لقوله سبحانه: «إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء