الصفحة 46 من 643

وليس على سلطة العقل، ومن ثم فلا يلزم إلا المؤمن بها سلفا ولا يلزم الذين لا يؤمنون بالوحي [1] .

وذكر الباحث المصري نصر حامد أبو زيد أن المعتزلة كانوا يعتمدون على أدلة الشرع، ثم لما جادلوا أهل الملل الأخرى، وجدوا في فلسفاتهم وأديانهم قدرا من العمق والشمول النظري، فكان «من الضروري للمعتزلة أن يتخلوا عن أدلتهم الدينية المستمدة من الكتاب والسنة وهي لا تقنع الخصم إلى أدلة جديدة، لا يجد الخصم بدا من التسليم بها. وبعبارة أخرى كان على المعتزلة أن يميزوا أدلة العقل والشرع» [2] .

و وافق الباحث المغربي محمد عابد الجابري ما قاله هؤلاء، وذكر أن المعتزلة عندما تصدوا للطوائف غير الإسلامية، ردوا عليهم بالعقل ثم علق الجابري على ذلك بقوله"وهل ينفع معهم الشرع وهم لا يؤمنون به؟!." [3] .

وردا عليهم أقول: إن معظم ما قاله هؤلاء غير صحيح، لأنه أولا إنهم نسوا أو تناسوا حقيقة شرعية كبرى هي أن دين الإسلام جاء إلى الإنس والجن معا، والقرآن خاطب هؤلاء جميعا، قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» -سورة الأنبياء:107 - ،وهذا يستلزم أن تكون في القرآن الأدلة المتنوعة التي تخاطب كل طائفة بما يناسبها وتقيم عليها الحجة. وهذا يستلزم بأن تكون أدلة مقنعة قوية، تتضمن البراهين الدامغة لإقامة الحجة على مختلف طوائف الكافرين. لأنه لا معنى من مخاطبتهم بمنطق لا يؤمنون به، ولا يقيم عليهم حججا دامغة لا تُرَد. و لهذا جاءت النصوص الشرعية مُتنوعة، منها ما هو موجه إلى المؤمنين ومنها ما هو موجه إلى المنافقين، ومنها ما هو موجه إلى المشركين، ومنها ما هو موجه إلى اليهود والنصارى، ومنها ما هو موجه إلى الملاحدة و الدهريين، و منها ما هو موجه إلى الإنسان عامة كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» سورة الانفطار:6،7 - ، و «يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى

(1) - من العقيدة إلى الثورة ج1،ص:203،204،370

(2) نصر حامد أبو زيد: الاتجاه العقلي في التفسير، ... ص: 45

(3) عابد الجابري: العقل الأخلاقي العربي ط2، المركز الثقافي العربي،2001، ص: 116

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت