الصفحة 48 من 643

علما بأن الاحتجاج بالنصوص الشرعية لا يستلزم دوما الإيمان المسبق بها، كما زعم هؤلاء فهذا استلزام لا يصح على إطلاقه. فلا يوجد أي مانع عقلي من أن يستخدم الكافر بالإسلام حجج القرآن العقلية والعلمية للانتفاع بها والرد بها على مخالفيه من الأديان الأخرى كاليهود والنصارى و الملاحدة بحكم أن أدلة الشرع أدلة صحيحة موافقة للعقل والواقع والعلم. كقوله تعالى: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ» سورة الطور- «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ» سورة الأنبياء:35،36 - ، و {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} -سورة المؤمنون:91 - ، و «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» سورة التوبة:30 - .

والشاهد على ذلك أيضا هو أن كثيرا من المستشرقين والعلمانيين العرب الذين كتبوا في تاريخ العرب قبل الإسلام، وفي السيرة النبوية، والخلافة الراشدة، كانوا يستشهدون بالقرآن الكريم على صحة ما قالوا به، ويقدمونه على المصادر الأخرى [1] . فلا مانع إذن من أن يحتج من لا يؤمن بالقرآن، ببعض ما في القرآن من الأدلة التاريخية، والجغرافية، والعلمية، والعقلية، وبهذا يسقط ما زعمه هؤلاء.

و ثانيا إنه يصح شرعا و عقلا مخاطبة الكفار بأدلة القرآن الكريم، مع أنهم لا يؤمنون به. لأن القرآن جاء للناس كافة، ومن ثم يحق لنا بل ويجب علينا أن نخاطبهم بالآيات التي تخصهم وتناسب مقام الرد عليهم. والشاهد على ذلك هو أن القرآن الكريم عندما نزل أول مرة، بدأ في مخاطبة كفار قريش، قبل أن يظهر المؤمنون، ثم منهم ظهرت الطائفة المؤمنة الأولى فمع أن قريشا لم تكن تؤمن بالقرآن أصلا إلا أن القرآن خاطبها، وتحداها، ودعاها إلى الإيمان، وسفّه أحلامها، وتوعدها بسوء المصير إن هي أصرت على الكفر. فالقرآن الكريم خاطب الكفار قبل المؤمنين، و ظل يُخاطبهم بعد ظهورهم. وكان رسول الله - صلى الله عليه

(1) - انظر مثلا ما كتبه العلماني هشام جعيط في كتابيه: الدعوة المحمدية والوحي والقرآن فمع كثرة أباطيله وتحريفاته فإنه كثيرا ما كان يرجح ما ذكره القرآن عن الروايات المخالفة له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت