وأما زعمه بأن العقل -في تحليلاته- لا يتطلب إيمانا مسبقا بشيء إلا العقل الصريح أو رؤية الواقع الموصوف، فهو زعم لا يصح، وفيه تغليط، وتدليس على القراء. لأن العقل ليس قوة مجردة تعمل آليا، وإنما هو غريزة في بني آدم يستخدمها الإنسان كما يريد هو على أساس من أفكاره وعقائده، ومذهبيته ومصالحه. فالعقل لن يستطيع أن يعي أحكامه دون خلفياته الفكرية والمذهبية، وهي التي تمثل الإيمان المسبق والمنطلق الذي يبني عليه الإنسان نشاطه العقلي، وهذا الذي حاول حسن حنفي نفيه، ونسي أو تناسى نفسه بأن موقفه هذا له خلفيات مذهبية يؤمن بها حسن حنفي، منها انطلق في مواقفه من الشرع.
ولن يستطيع أي إنسان التخلص من تلك الخلفيات -بغض النظر عن نوعها-لأنه إذا حاول ذلك فإن نشاطه الفكري سيتوقف عن النشاط، وإذا حاول تغييرها -أي الخلفيات المذهبية- فإنه يحتاج إلى خلفيات أخرى للتخلص من الأولى من جهة، ثم لتحل محلها الجديدة من جهة أخرى. وهذه الخلفيات تقوم أساسا على نظرة الإنسان إلى الحياة والكون والإنسان، وهذه النظرة هي التي تمثل الإيمان المسبق لأي إنسان، وعليها يقوم النشاط العلمي والعقلي الذي يمارسه كل أهل العلم. فلا نشاط علمي ولا عقلي دون خلفيات فكرية عقدية أو مذهبية. و هذا خلاف ما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي، الذي هو نفسه عندما زعم ذلك كان واقعا تحت تأثير إيمانه المسبق بمذهبيته.
وثالثا إن حسن حنفي حطّ من قيمة الدليل الشرعي، وأراد أن يوهمنا بأن الأدلة الشرعية تقوم على التسليم الأعمى، فهي أدلة لا تقوم على حجة ولا على برهان. وهذا زعم باطل وافتراء على الشرع والحقيقة معا، لأن الشرع يأخذ قوته و حجيته و برهانيته من جهتين: الأولى هي جهة القائل، و هو الله تعالى و رسوله. و جهة المضمون المُتمثل في الحجج و الأدلة العقلية و الفطرية و العلمية التي تحملها النصوص الشرعية نفسها.
والشرع نفسه نص صراحة على أنه حق وعلم، وبرهان وحجة، وآيات بينات كقوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا