الصفحة 54 من 643

مطلوب شرعا وعقلا. و هو تسليم يقوم على الحق والعلم، ولا يقوم على الأهواء والخرافات والأباطيل كما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي. وعليه فإنه لا يصح للمؤمن أن يعترض على خالقه، فعلى المؤمن الطاعة والتسليم المطلقين لله تعالى، وهذا هو عين الحق المؤيد بالشرع والعقل معا. وهذا لا يمنع المؤمن من استخدام عقله في فهم النصوص، ومعرفة أسرارها وحِكَمها و اكتشاف سنن الطبيعة، والعمران البشري، لتسخيرها في خدمة الإنسان. بل إن الشرع قد أمر بذلك فعلًا وحقًا في آيات كثيرة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: «قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ» -سورة آل عمران:137 - ، و {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} - سورة لقمان:20 - ،و «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنس إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فإن فُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ» -سورة الرحمن:33 - ،و «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» -سورة العنكبوت:20 - .

وأما الإنسان الذي يقول: أنا مسلم ثم ينتقد النصوص الشرعية، أو يعترض عليها، فهو قد نقض إيمانه بها من جهة، وموقفه هذا مخالف للشرع والعقل معا من جهة أخرى. لأن إيمانه بها يفرض عليه الالتزام بها، وهذا ليس حجرًا على العقل، وإنما هو موقف عقلي صحيح يفرضه الشرع والعقل معا على كل من يقول بأنه مسلم. لأنه ليس من العقل و لا من الشرع الإيمان بدين ما ثم مناقضته و الخروج عليه. وأما الكافر بدين الإسلام، فلا احد يمنعه من أن يدرس النصوص الشرعية، و يناقشها، ويرد عليها إن استطاع إلى ذلك سبيلا. والقرآن نفسه قد أمر الكفار والناس كلهم بقراءة القرآن وتدبره، وتحداهم بأن يأتوا بمثله إن استطاعوا، فعجزوا عن الرد قديما وحديثا. وقد يأسهم الله تعالى بأنهم لن يأتوا بمثله أبدا، في قوله سبحانه: «قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنس وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَاتُوا بِمِثْلِ هَذَا القرآن لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» -سورة الإسراء:88 - ،و فإن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت