تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ -سورة البقرة:24 - .
ورابعا إن ما قاله هؤلاء عن سلوك المعتزلة، ودفاعهم عنهم في موقفهم من الشرع والعقل، والفلسفات القديمة. هو أمر غير صحيح في معظمه لأن ما فعله المعتزلة، هو انحراف منهجي خطير جدا، يتضمن الطعن في الشرع والعقل معا من جهة، هو سلبية وعجز وانهزامية من جهة أخرى. فأوقعهم ذلك في أخطاء منهجية أخرى فادحة، لأنه لا يصح عقلا أن يؤمن إنسان بأن الله انزل كتابا معجزا شاملا خاتما للرسالات، ولا يأتيه الباطل أبدا، ولا يقدر احد على الإتيان بمثله، أو الرد على حججه، وأن الله أوجب علينا إتباعه. ثم يتركه جانبا أو يجعله وراء ظهره و يبحث لنفسه عن مصادر ومناهج معرفية وسلوكية أخرى مخالفة لكتاب الله تعالى. فهذا لا يصح شرعا ولا عقلا، ومن يفعله فهو متناقض مع نفسه و مع إيمانه بدين الإسلام.
وأما موقف المعتزلة فهو في الحقيقة ليس كما ذكره هؤلاء، من أنهم كانوا يعتمدون على أدلة الشرع، ثم لما جادلوا غير المسلمين تركوها واستخدموا الأدلة العقلية محلها. لأن الحقيقة هي أن المعتزلة، حتى في جدالهم مع المسلمين لم يعتمدوا على الشرع أساسا، وإنما اعتمدوا على عقولهم القاصرة التي قدموها على الشرع، وهذا ثابت ومعروف عنهم وقد كرره حسن حنفي مرارا. فهم في الحقيقة اعتمدوا على عقولهم المحدودة وقدموها على الشرع وجعلوه وراء ظهورهم. الأمر الذي يعني أن استخدامهم للأدلة الشرعية كان ثانويا من باب التعضيد و الاستئناس، أكثر مما هو من باب الاعتقاد والتأكيد على ضرورة الالتزام والاحتجاج بها على أنها أدلة شرعية يقينية. وإنما هي على أساس أنها أدلة ظنية ثانوية العقل أسبق منها وهو أساسها حسب زعمهم [1] .
فأين الزعم بأنهم كانوا يعتمدون على أدلة الشرع اعتمادا حقيقيا؟!.إن موقفهم السابق هو طعن في الشرع وتقزيم له، واعتداء عليه وإهدار لمكانته، وتقدم عليه
(1) انظر: من النقل إلى الإبداع، ج1ص 15