ورد له، و ليس اهتماما به، ولا تعظيما له، فالشرع لم يكن عندهم أصلا مُقدما ولا حَكَما فاصلا، فلو كان كذلك ما قدموا عليه عقولهم القاصرة. وهذا خلاف ما أراد أن يوهمنا به هؤلاء.
وليس صحيحا أن المعتزلة -عندما تركوا أدلة الشرع واقبلوا على الفلسفات القديمة- كانوا مضطرين إلى ذلك فهذا لا يصح لأمرين هامين: الأول هو أن المعتزلة في الأصل يقدمون عقولهم القاصرة على شرع الله تعالى. فهم منذ البداية أبعدوا الشرع على أن يكون مصدرهم الأول والأساس والوحيد. ومن ثم فليست تلك الفلسفات هي التي دفعتهم إلى ذلك الموقف المنحرف من الشرع. فهم قد أبعدوه ابتداء قبل اتصالهم بتلك الفلسفات، لأن أصلهم الأول هو تقديم عقولهم على الوحي الإلهي، فهذا أصل عندهم و ليس استثناء. ومن ثم فلا مانع عندهم من استخدام أي مصادر معرفية أخرى باسم العقل، وهذا الذي حدث لهم في موقفهم من الفلسفات القديمة. فهو تحصيل حاصل لتقديم عقولهم على كلام خالقهم.
والثاني هو أن المعتزلة لم يكونوا مضطرين أبدا إلى تقديم العقل ولا تلك الفلسفات على الشرع الصحيح. فلو كانوا على الصراط المستقيم ما وقعوا في هذا الانحراف المنهجي الخطير، الذي افسد عليهم دينهم وفكرهم. أنه ليس من الشرع و لا من العقل تقديم عقولهم القاصرة على الوحي من جهة، و الإقبال على تلك الفلسفات و الأديان القديمة و ترك الشرع من وراء ظهورهم من جهة أخرى. لذا فإن الصواب ليس كما ذكره هؤلاء وبرروا به موقف المعتزلة، وإنما هو الرجوع إلى الشرع بإخلاص وصدق، وشمولية لاستخراج منه مناهج البحث وطرق الاستدلال و التحقيق، للرد على أهل الأهواء والظنون على اختلاف طوائفهم و مللهم. هذا هو المنطلق الأساسي والصحيح، ثم بعد ذلك لنا أن نأخذ الصحيح النافع من غيرنا، على أساس من الشرع الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح.
وكان على المعتزلة أيضا، ليس التمييز بين أدلة العقل والشرع كما زعم حامد أبو زيد، وإنما كان عليهم أن يميزوا بين أدلة الشرع حسب المخاطبين بها فيجمعونها، ويصنفونها ثم يستخرجون منها مناهجها وأدلتها، و معطياتها للرد بها على أهل