الضلال والأهواء من جهة، ثم يوسعون بحوثهم -بناءً على تلك المعطيات -لاستخراج أدلة أخرى صحيحة موافقة للشرع والعقل والعلم للرد بها على غير المسلمين من جهة أخرى. لكنهم لم يفعلوا ذلك، فتركوا المطلوب منهم وافسدوا الشرع، وحرفوه. وليس صحيحا بأنه كان عليهم -أي المعتزلة - أن يتركوا أدلة الشرع، فلم يكن ذلك واجبا عليهم شرعا، ولا عقلا، وإنما أوجبه عليهم انحرافهم المنهجي في موقفهم من الوحي والعقل. و عليه فلا يصح تبرير موقفهم هذا ولا مدحهم عليه، بل يجب انتقادهم و ذمهم فيما قالوا به.
وأما الزعم بأن المعتزلة تركوا أدلة الشرع، لأنها لم تكن تقنع الخصم فاقبلوا على أدلة العقل. فهذا زعم لا يصح لأنه سبق أن بينا أن أدلة الشرع الصحيح كلها حق ويقين، والمطلوب ممن يستخدمها أن يأخذ بها بحكمة ويضعها في المكان المناسب من جهة، ولأن المعتزلة أهملوا الشرع ليس لأنه عاجز أو لا يصلح للرد به على الكفار، وإنما تركوه بسبب انحرافهم عنه، عندما قدموا العقل عليه من جهة أخرى. فهذا هو سبب تركهم لأدلة الشرع في جدالهم مع غير المسلمين وليس هو كما زعم هؤلاء من أن أدلة الشرع لم تكن تقنع الخصم. فذلك الانحراف هو الذي حرم المعتزلة من الاستفادة الكاملة والصحيحة من الأدلة الشرعية من جهة، و كان سببا في إبعاد حجج الشرع من الرد بها على الكافرين من جهة أخرى. مع أنها نزلت في الأصل للرد بها عليهم، فحرموا أنفسهم و غيرهم من الاستفادة منها و الانتفاع بها. فلو استخدموها لكانت أدلة قوية بيدهم وحجة على الكفار وإبطالا لضلالاتهم و مفترياتهم، و الله تعالى أنزلها لتكون كذلك. .
و أما مدح حامد أبي زيد للفلسفات و الأديان القديمة بأنه كان فيها قدر من العمق والشمول النظري، وهو الذي أخذه منها المعتزلة. فهذا ثناء على تلك الفلسفات من جهة، وتبرير لما فعله المعتزلة في موقفهم منها وتسويق له من جهة أخرى. مع أن الحقيقة هي أن الغالب على تلك الفلسفات والأديان: الضلال والشرك، و كثرة الأخطاء والأباطيل والخرافات في إلهياتها و طبيعياتها ومنطقياتها [1] . وذلك القدر
(1) انظر مثلا كتابنا: نقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد، يوجد الكتاب على شبكة الأنترنت، و مطبوع و رقيا أيضا.