الذي أخذه المعتزلة من تلك الفلسفات والأديان، لم يكن واجبا عليهم أخذه منها، و كان في مقدورهم الاستغناء عنه، وعدم أخذه منها أصلا. ثم الحصول عليه من الشرع، أو من البحث والتأمل والتجربة في الطبيعة والعمران البشري من دون الرجوع إلى تلك الفلسفات لأنه لم يكن من الضروري العودة إليها أصلا.
وأما الموقف الحادي عشر فيتعلق بحقيقة مضمون الوحي والعقل، فزعم حسن حنفي أن النقل -أي الشرع - لا يعطي إلا «افتراضات يمكن التحقق من صدقها في العقل، ومن صحتها في الواقع كما يعطي حدوسا يمكن البرهنة على صدقها بالعقل، وعلى صحتها في التجارب اليومية» . وزعم أن «الوحي يقدم الحدس، والعقل يقوم بالبرهان. الوحي يعطي الافتراض، والعقل يتحقق من صدقه. الوحي يعطي الدفعة الأولى و يضع القطار على قضيبه، والعقل يستمر في الدفعات المتتالية و يُسيّر القطار حتى محطة الوصول. الوحي مُعطى» [1] .
وأقول: إن قوله هذا لا يصح، وهو افتراء على الشرع، وقول بلا دليل من الشرع ولا من العقل. إنه لم يقدم دليلا صحيحا ولا ضعيفا لتأييد زعمه، لذا فإن قوله هذا ما هو إلا زعم و وهم. والزعم ليس دليلا ولا يعجز عنه أحد، لذا فنحن نطالبه بالدليل الذي اعتمد عليه فيما زعمه. و نحن على يقين بأنه لن يجده لأن الشرع نص صراحة على أن الوحي ليس افتراضات ولا حدوسا، وإنما هو كلام الله تعالى الذي هو حق، وعلم، و يقين، وبرهان، و هذا أمر سبق بيانه و توثيقه. فالوحي كلام الله ولا يحتاج أبدا إلى العقل ليملأه، ولا لكي يجعله صادقا، ولا لكي يجعله عقليا وعلميا. وإنما هو كتاب الله يحمل أدلة صدقه وإعجازه من داخله بالضرورة. وأما دور العقل فيتمثل في الشرح والبيان، واكتشاف معجزات الوحي وأسراره وحِكَمه، وإظهار أدلته الدامغة البالغة القاطعة «قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ» -سورة الأنعام:149 - .
وأما المثال الذي ضربه بالدفعة الأولى التي تجعل القطار على السكة، كمثال على العلاقة بين الوحي والعقل. فلا يصح ومخالف للشرع لأن الوحي هو
(1) حسن حنفي: من العقيدة إلى الثورة، ج1، ص:373. ومن النقل إلى الإبداع مج3،ج1 ص:17، 18