الصفحة 59 من 643

الأساس، والمنطلق والموجه، والرقيب من البداية إلى النهاية. والعقل وسيلة لفهم الشرع واستخراج معانيه، والحرص على تطبيقه و الالتزام به من جهة، والعمل جاهدا لعمارة الأرض، واكتشاف سنن الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان على هدى من الوحي من جهة أخرى. فالوحي لا يمكن الاستغناء عنه أبدا في كل مراحل الحياة، وهذا أمر فرضه الله تعالى على بني آدم لأنه خلقهم لعبادته، لذا قال سبحانه «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» -سورة المائدة:3 - . فالإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لنا في كل أحوالنا إلى أن يقوم الناس إلى رب العالمين. وهذا خلاف ما قاله حسن حنفي وأراد أن يوهمنا به.

والموقف الثاني عشر يتعلق بموضوع اكتمال العقل، باكتمال الوحي، فذكر حسن حنفي رأيا للفيلسوف لسنج ووافقه عليه. و مفاده أن لنسج صاغ للتاريخ مسارا للوحي، مر فيه بثلاث مراحل، أولها مرحلة اليهودية، وفيها القانون الخارجي واعتبار الله مصدر خوف وطمع. والثانية مرحلة النصرانية، وهي مرحلة الحب الداخلي، واعتبار الله موضوع حب. والثالثة مرحلة استقلال العقل الإنساني و ثقته بنفسه وعدم احتياجه للوحي، وهي مرحلة عصر التنوير. ثم ربط حسن حنفي ما زعمه لسنج بالإسلام بقوله: «وإن شئنا الإسلام إذ كان الإسلام على ما يقوله المعتزلة يقوم على العقل، وأن الشرع تابع للعقل» وقال أيضا: «يُثبت تطور الوحي إذن، أن الحقيقة موجودة إلى الأمام لا إلى الوراء» [1]

وزعم أيضا أن الوحي-بعدما اكتمل باكتمال النبوة- أعطى دورة جديدة للتاريخ وأعلن استقلال الوحي الإنساني في «المعرفة والسلوك، في النظر والعمل. و إعطاء الإنسانية دفعة جديدة في التحرر والتقدم والبناء» . وبعد ظهور الإسلام -وكان آخر الوحي - تم إعلان استقلال الوعي الإنساني واستقلال الطبيعة عن كل تدخل خارجي لقد بلغ «العقل كماله ويستطيع الإنسان بعقله الإدراك المباشر، كما يستطيع

(1) حسن حنفي: في فكرنا المعاصر، ص92

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت