الصفحة 60 من 643

بعقله تغيير واقعه. لم يعد الإنسان بحاجة إلى نقل، و إرادة خارجية لنصرته، أو هزيمة أعداءه، كل شيء فيه طبيعي» [1] .

وزعم أيضا أن العقل هو الوريث الشرعي للوحي ولما «اكتمل الوحي فإن العقل هو التطور الطبيعي له» [2] . وذكر رأيا للمعتزلة و وافقهم عليه، ومفاده أن المعتزلة قالوا: إن العقل أساس الشرع وكل «ما حسنه العقل حسنه الشرع، بل أن العقل ما كان في حاجة إلى الشرع لأن الإنسان لا يحتاج إلى الوحي. وما الوحي إلا لطف من الله وكرم منه، قد لا يحتاجه الإنسان لأن العقل فيه ما يغنيه، وقد عبر الفلاسفة أيضا عن هذه الحقيقة. فالدين والفلسفة شيء واحد متفقان في الموضوع والمنهج والغاية» [3] .

و زعم أيضا أن اكتمال الوحي لا يعني انتفاء النظر، بل يعني نهاية الوحي بعد تطور طويل، ومراحل متعددة حتى تحقيق استقلال الوصول إلى الحقيقة. ومستقلا بإرادته على تحقيق فكره ومُثله [4] . وعندما اكتمل الوحي برسالة الإسلام لم يصبح الإنسان في «حاجة إلى معونة خارجية في صورة معجزة أو غيرها ... وأن أية محاولة لفرض الوصايا على أفعال الإنسان من حيث التوجيه والأمر له، هي في حقيقة الأمر محاولة للقهر والتسلط، وافتراض عجز الإنسان وعدم قدرته، يعطي الحاكم الحق في فرض الرقابة عليه» [5] .

وردا عليه أقول: إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، و ليس فيه من الصواب إلا القليل، وقد كرر فيه أخطاء وأباطيل سبق ذكرها والرد عليها و قد نضطر إلى إعادة بعضها لأن المقام يتطلب ذلك. أولا إن الرجل افترى على الشرع وحرفه و وجهه توجيها سيئًا لتأييد ما ذهب إليه، وافترى أيضا على العقل الفطري البديهي، وقوّله ما لا يقوله، وحمّله مالا يحتمل. وذلك أن الرجل زعم أن الوحي كان ناقصا ثم اكتمل برسالة الإسلام الخاتمة، و كذلك العقل كان ناقصا فاكتمل هو أيضا باكتمال الرسالة. و زعمه هذا لا يصح لأن الحقيقة هي أن الوحي بدأ كاملا وخُتم كاملا

(1) في فكرنا المعاصر، ص91

(2) من العقيدة إلى الثورة، ج1،ص:380 - 381

(3) في فكرنا المعاصر، ص:92

(4) من العقيدة إلى الثورة، ج1،ص:294

(5) الدين والثورة في مصر، ج7،ص:160

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت