،بدليل الشواهد الآتية: أولها هو أن كلام الله لا يمكن أن يكون ناقصا، ولا يصح وصفه بذلك، فهو كامل بالضرورة لأنه كلام الله. والثاني مفاده هو أن الرسالات الإلهية دينها واحد، هو الإسلام. لقوله سبحانه: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ» -سورة آل عمران:19 - ، و «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ» -سورة الشورى:13 - . فهي رسالات كاملة في أصولها العقيدية، والتشريعية، والأخلاقية ... . والشاهد الثالث هو أن تلك الرسالات اختلفت في التشريعات الجزئية المتغيرة حسب تغير الزمان، والمكان، والظروف، لقوله سبحانه: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» -سورة المائدة:48 - «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» -سورة الجاثية:18 - .
فكل تلك الرسالات -مع هذه التغيرات- كانت كاملة أيضا في زمانها ومكانها، وهذا يعني أن الوحي لم ينزل أبدا ناقصا، وأن كل رسالة سماوية كانت كاملة في زمانها و مكانها، وظروفها التي ظهرت فيها. لكن الذي حدث مع الرسالة الخاتمة، هو أنها نزلت كاملة في زمانها، ومكانها، وظروفها، وستبقى كذلك صالحة لكل زمان، ومكان، لأنها هي الرسالة الخاتمة، ولا يمكن أن تفقد صلاحياتها لقوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» -سورة الأنبياء:107 - ،و «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» -سورة المائدة:3 - «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» -سورة آل عمران:85 - ،و «كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» -سورة هود:1 - ،و «لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» -سورة فصلت:42 - .
فرسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة، لكنها صالحة لكل زمان ومكان. فهي جمعت بين الثبات والتغير، والأصول والفرع، وبين الصلاحية والمرونة فتحافظ على ذاتيتها بأصولها الذاتية، وتواكب التطورات والتغيرات البشرية بمرونتها.