الصفحة 62 من 643

فأصولها العقدية، ّوالتشريعية، والأخلاقية ثابتة، و واقعها الاجتهادي متغير ومرن ينطلق من الأصول ويواكب التغيرات في الفروع. وبذلك تكون شريعة الإسلام كاملة خالدة، والوحي بدأ كاملا، وخُتم كاملا وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة، وهذا خلاف ما زعمه حسن حنفي و أراد أن يوهمنا به.

وأما بالنسبة للعقل فهو في الحقيقة عزيزة في الإنسان، وقوة من قوى الروح، وناقص ومحدود كباقي قدرات الإنسان الجسدية والروحية، فهو مخلوق لله تعالى، وكل مخلوق فهو ناقص بالضرورة، فمهما أوتي من قوة وفاعلية، ومهما حقق من انتصارات علمية فأنه سيظل ناقصا، لأن النقص ذاتي وأساسي في الإنسان. و من المعروف والثابت في الواقع أن الإنسان حقق انتصارات كبرى في مجال العلوم، وتسخير الطبيعة، لكنه مع ذلك ما يزال ناقصا محدودة قدراته نسبية أحكامه. و قد أثبت العلم الحديث أن الإنسان محدود القدرات، على الرغم ما حققه في مجال العلوم والتكنولوجيا، و أن أحكامه نسبية خليط من الحق والباطل، و من الظن واليقين، و من الخطأ والصواب. و أن ما حققه واكتشفه من حقائق علمية، هو قليل جدا مما لم يكتشفه من جهة. و تبين أيضا أن الغرور الذي ركب كثيرا من أهل العلم في القرن التاسع عشر، و مطلع القرن العشرين في غلوهم في العقل والرفع من شأن الإلحاد و الحط من شان الدين، والهجوم عليه قد تبين أن ذلك كان غرورا ولا أساس له من الصحة، وما هو إلا أوهام وظنون، خلفياتها مذهبية متعصبة، وليست عقلانية، ولا علمية [1] . فالعقل كان ناقصا، وما يزال ناقصا، و لن يبلغ الكمال النهائي أبدا، مهما حقق من انتصارات علمية، وسيبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والكمالات التي حققها الإنسان، هي كمالات نسبية لا تخرجه من الدائرة النسبية أبدا.

و ثانيا إنه لا يوجد في الشرع ما يدل ولا ما يشير من قريب ولا من بعيد إلى أن العقل اكتمل واستقل عن الوحي. فهذا زعم باطل مختلق، والشرع يشهد على خلافه قطعا لأنه -أي الشرع- نص صراحة على أن الدين هو الذي اكتمل وليس العقل

(1) - انظر مثلا: وحيد الدين خان: الدين في مواجهة العلم، ط4،المختار الإسلامي، القاهرة،1978،ص:3 وما بعدها. وانظر أيضا: روبرت افروس وجورج ستانسيو: العلم في منظوره الجديد، ترجمة كمال جلايلي. عالم المعرفة، الكويت 1981

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت