الصفحة 63 من 643

،فهو لم يكتمل ليستغني عن الشرع، وإنما أصبح قادرا على تحمل الرسالة الخاتمة بأن يكون عبدا لله في كل أحواله وداعيا لدينه، ومجاهدا في سبيله. فالله تعالى قال لنا: - «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» -سورة المائدة:3 - فهو سبحانه أكمله وأمرنا بالالتزام به، ورضيه لنا دينا، ولم يقل لنا: «اليوم أكملت لكم عقولكم و رضيتها لكم دينا» . كما أن القول باكتمال العقل واستغنائه عن الوحي هو رفض للوحي وتعطيل له فالرجل - أي حسن حنفي- افترى على الشرع وحرفه و أبطله و هدمه.

ولو كان الشرع قد نصّ على اكتمال العقل كما نص على اكتمال الدين يكون عطل نفسه بنفسه. ولو كان كذلك فلا معنى من مجيء الرسالة الخاتمة أصلا، ولا فائدة من وجود الشريعة بعقائدها وأخلاقها، وفروعها وعباداتها، و لا فائدة من الأمر بعبادة الله، و لا بوجود الجنة و النار. لأن العقل في هذه الحالة ليس في حاجة إليها على حد زعم حسن حنفي. و بما أن الشرع نص على خلاف ذلك، فأوجب علينا عبادة الله والإيمان برسوله و الالتزام بدينه، وتوعد الكفار بالخسران المبين، دل كل هذا بالضرورة على أن العقل لم يكتمل ولا يحق له التقدم على شرع الله، ولا تعطيله، ولا تقزيمه، ولا مزاحمته. لكن الرجل المغالط استخدم الإسلام لهدم الإسلام.

وثالثا إن التغيرات التي حدثت للوحي-عبر مراحله التاريخية- لم تلغ كمالة ولا غيرت مضمونه. و إنما هي تغيرات تشريعية جزئية فروعية حدثت لمواكبة التحولات التاريخية التي حدثت في حياة البشر. فهي لم تمس أصوله العقدية ولا التشريعية ولا الأخلاقية ... بدليل قوله تعالى: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ» -سورة الشورى:13 -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت