يسبق خالقه. فالقول باكتمال العقل، واستغنائه عن الوحي، هو نقض للشرع والعقل معا.
و رابعا إنه ليس صحيحا أن الشرع أعلن استقلال الإنسان عن الوحي، وأن الله لم يعد يتدخل في سير الطبيعة وسلوكيات الإنسان. فهذا زعم باطل شرعا وواقعا، فأما شرعا فإن الله تعالى نصّ صراحة على أنه هو الذي يُسيّر العالم وسلوكيات البشر بإذنه وإرادته، ولن يحدث أي شيء في الكون إلا بإذنه ومشيئته وحكمه لقوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ أنه كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا» -سورة فاطر:41 - ،و «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بأنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ» -سورة الرعد:11 - ، و «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» -سورة الأنفال:24 - ،و «وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» سورة التكوير:29 - ،و «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانهم يَعْمَهُونَ» سورة الأنعام:110 - . فالعالم بأسره خاضع للإرادة الإلهية المطلقة، فحتى النصر الذي يحققه الإنسان، والاكتشافات العلمية التي يتوصل إليها، لا تتم إلا على أساس {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} -سورة الأنفال:10 - ،و {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء} -سورة البقرة:255 - .
وأما واقعا فإنه شاهد على أن كلا من الواقعيّن الطبيعي والبشري مخلوق لله تعالى ولا واحد منهما خلق نفسه، ولا يستطيع أن يتحكم في مصير هذا العالم إلا الله تعالى. فالإنسان لم يستقل عن الوحي، ولن يستطيع أن ينفلت من القبضة الإلهية مهما أوتي من علم وتكنولوجيا. وكأن حسن حنفي يريد أن يقول: إن الإنسان بعدما اكتمل عقله لم يعد في حاجة إلى الله تعالى، ولا إلى توجيهه وشرعه. وهذا زعم باطل لأن الإنسان لن يستطيع الاستغناء عن خالقه، اقر بذلك أو لم يقر، وأنه سيظل في حاجة ضرورية إلى خالقه لثلاثة أمور أساسية هامة: أولها هو أن الإنسان لن يستطيع الوصول إلى إجابة يقينية عن الأسئلة المصيرية المعروفة (من أين؟، وإلى أين؟، ولماذا؟) إلا عن طريق الوحي. والثاني هو أن الإنسان لن يستطيع أن يجمع