الوحي اكتمل، وأنه أعطى للعقل دفعا جديدا نحو العلم والعقلانية، والتحرر من الأساطير، لكنه لم يضع ذلك في المكان المناسب على أساس من الشرع نفسه، وإنما استخدمه للانقلاب على الشرع والإجهاز عليه. فزعم أن اكتمال الوحي أدى إلى اكتمال العقل، ومن ثم استقل العقل عن الوحي ولم يصبح في حاجة إليه، وقد سبق أن بينا بطلان زعمه هذا، ومخالفته للشرع والعقل معا، ولا يقول ذلك إلا أهل الأهواء والضلال من أدعياء العقلانية وأمثالهم.
وخامسا إن زعم الرجل بأن افتراض عجز العقل وتعصبه يعطي الحاكم الحق في فرض الرقابة عليه، فالأمر ليس كذلك، ولا توجد علاقة تلازم بين الأمرين. والصحيح هو أن القول باكتمال العقل هو الذي يؤدي إلى رفض الشرع وتعطيله، واتخاذ العقل إله من دون الله، و من ثم يعبد البشر بعضهم بعضا، ويعبدون أهواءهم، ومصالحهم، وظنونهم. وهذا الذي يريده أدعياء العقلانية من ذلك الزعم. علما بأن نقص العقل ومحدوديته هو أمر ثابت شرعا، وعقلا، وعلما، وقد سبق أن بينا ذلك مرارا. وأما علاقة ذلك بالحاكم فالأمر ليس كما زعم الرجل والصواب هو أن نقص العقل ونسبيته، المفروض أنه يؤدي إلى رفض الخضوع لأي إنسان، لأن العاجز والناقص لا يصح له أن يكون حاكما ولا أن يحكم ناقصا مثله. و على كل بني آدم الخضوع لله تعالى الخالق العظيم الذي خلقنا لعبادته، وفرض علينا عبادته، فهو خالقنا ومولانا أنزل كتابه ليطاع ويعبد وفق شرعه. وأمرنا بأن نخشاه ولا نخشى غيره، ونخافه ولا نخاف أحدا سواه. وأمرنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعليه فإنه لا يصح ولا يجوز أن يتسلط المخلوق على مخلوق مثله، ولا أن يخضع الناقص لناقص مثله. وعلى كل مخلوق الخضوع لله تعالى فهذا الذي يفرضه الشرع الصحيح، ويقوله العقل الصريح.
وأما ما ذكره حسن حنفي عن اللطف و حكاه عن المعتزلة والفلاسفة و وافقهم عليه، فغير صحيح في معظمه، هو تحامل على الشرع، وافتراء عليه، وتعطيل له. وذلك أن الله تعالى لطيف ورحيم وغفور، وأرسل رسوله الخاتم رحمة للعالمين من