جهة، لكنه اوجب علينا عبادته وتوعد كل من يخالف شرعه بسوء المصير من جهة أخرى. فالرحمة واللطف لا يلغيان وجوب عبادته تعالى، ولا يبطلان شرعه، وهذا أمر معروف من دين الإسلام بالضرورة. وليس للإنسان الاختيار ولا إلغاء مبدأ العبادة، فهذا أمر مفروض عليه أحب أم كره. نعم في مقدوره أن يعصي خالقه، ويتمرد على شرعه، لكنه لا يستطيع إلغاء مبدأ وجوب العبادة، ومن ثم فعليه أن يتحمل مسؤولية كفره وضلاله، وتمرده على الشرع، و سيكون مصيره معروفا مسبقا إن هو أصر على ضلاله وانحرافه.،وبذلك يتبين أن حكاية اللطف والرحمة التي حكاها الرجل عن المعتزلة والفلاسفة ما هي إلا محاولة منهم للتخلص من الشرع وتعطيله، لأنهم أخذوا جانبا منه ووضعوه في غير مكانه من جهة، واغفلوا جانبا آخر وهو أن الله تعالى مع أنه لطيف و رحيم، فإنه أيضا شديد العقاب من جهة ثانية، وأنه سبحانه فرض علينا عبادته وانزل كتابه وأمرنا بالالتزام به من جهة ثالثة. إنهم أهل أهواء وظنون، و ليسوا أهل شرع ولا عقل ولا علم فيما نقلناه عنهم.
و ليس صحيحا أن كل ما حسنه العقل حسنه الشرع أيضا، فهذا حكم لا يصح على إطلاقه، فقد يحدث توافق بينهما على أمر ما، لكن ليس دائما فقد لا يحدث ذلك لأمرين: الأول هو أن أحكام الشرع صحيحة مطلقا، لكن أحكام العقل ناقصة نسبية، لذا فليس بالضرورة أن تكون أحكامه مطابقة دوما لأحكام الشرع.
والأمر الثاني هو أن الواقع يشهد على أن الشرع حسن أمورا، وأمر بها لكن كثيرا من العقول أنكرت ذلك ولم تحسنه. من ذلك أن الله تعالى اوجب على الإنسان عبادته، ومدح المؤمنين وذم الكافرين، لكن كثيرا من البشر ينكرون ذلك، و يستهجنونه، ويعملون على خلافه، فيدعون إلى الكفر والإلحاد، والضلال والانحلال. وفي مقابل هؤلاء يوجد أناس آخرون مؤمنون ملتزمون بالشرع ويعملون على مقاومة هؤلاء. فلماذا هذا التباين المتناقض في أحكام العقل وموافقته؟!.