و من ذلك أيضا أن كثيرا من العقول تُحسّن التعامل بالربا وشرب الخمر، مع أن ذلك مذموم ومحرم شرعا. وكثير من العقول تُحسّن مقولة: العقل أساس النقل وأسبق منه، مع أنه مخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح!
وأما ما نقله حسن حنفي عن الفلاسفة من أن الدين والفلسفة شيء واحد. فهو زعم باطل وافتراء على الفلسفة والشرع معا. لأن الوحي كلام الله الحق المعجز الكامل، و الفلسفة هي أفكار بشرية فيها الحق والباطل و الخطأ و الصواب، و الظن واليقين، و الأهواء و الشبهات، و الشكوك والاحتمالات. لذا فإنه من الكذب على الشرع و العقل، الزعم بذلك الكلام الباطل، الذي نقله الرجل عن الفلاسفة.
كما أن الوحي اشمل من الفلسفة في الموضوع والمنهج والغاية، وذلك أن الوحي الصحيح موضوعه عالم الغيب والشهادة معا، وكلامه فيهما حق ويقين، لكن الفلسفة كلامها في الإلهيات معظمه باطل، تغلب عليه الظنون والأوهام، والأهواء والتخمينات، والكلام بلا علم، وهذا يصدق على الفلسفة اليونانية، التي كانت رائجة بين الفلاسفة المسلمين. وأما كلامها في عالم الشهادة فنسبي خليط من الحق والباطل، و من الظن واليقين، وأما كلامها عن الغاية من الخلق، فالفرق بينها وبين الشرع كبير جدا، لأن غاية الوحي هي عبادة الله تعالى، وفق منهجه الشرعي، ثم يكون يوم الحساب والعقاب والجزاء يوم القيامة. وأما الفلسفة فليس لها غاية واحدة لأنها ليست مذهبا واحدا، ولا يحق لأي منها أن يكون هو المعبر عن الفلسفة دون المذاهب الأخرى. وبما أن المذاهب الفلسفية كثيرة واتجاهاتها متنوعة ومختلفة فإن غايتها هي أيضا كذلك. ولا يوجد فيها -حسب- علمي مذهب واحد يقوم على العبادة والخضوع للشرع، و يتبنى الشرع أساسا و غاية له. علما بأن كلام الفلسفة في الغاية من الكون هو مجرد تخمين، ولا يمكنها الوصول فيها إلى أمر يقيني، ولا يمكن لأحد أن يقول في ذلك كلاما صحيحا يقينيا إلا الله عز وجل.
ويتبين -في ختامنا لهذا المبحث- أن الزعم بأن العقل أساس الشرع، وأن أدلته قطعية و أن الشرع أدلته ظنية كلها. هو زعم باطل مردود على قائليه، وقد تتبعنا الشبهات التي أثارها حسن حنفي وأثبتنا بطلانها شرعا وعقلا، ولله الحمد والمنة.