ثالثا: أباطيل تتعلق بطبيعة العلاقة بين الوحي والعقل:
نورد في هذا المبحث طائفة من الأباطيل والشبهات تتعلق بطبيعة العلاقة بين الشرع والعقل، نوردها على شكل مواقف قال بها بعض أدعياء العقلانية المعاصرين. الأول مفادها هو أن العلاقة بين العقل والوحي هي علاقة استقلال، وعدم وصاية، فزعم حسن حنفي أن العقل يقوم أساسا على الاستقلال عن كل ما سواه، من سلطة دينية أو سياسية، وأنه استقل عندما اكتمل باكتمال الوحي، فلم يصبح في حاجة إلى وصاية خارجية [1] .
وأقول: إن قوله هذا فيه حق وباطل، فأما الحق فهو أن العقل مستقل عن كل سلطة بشرية تريد أن تفرض عليه قيودها، وتسخره لمصالحها، و تحد من حريته ونشاطه. وأما الباطل فهو زعمه بأن العقل مستقل عن كل سلطة مطلقا، وأنه لم يعد في حاجة إلى سلطة الوحي. فهذا لا يصح ومردود على صاحبه، لأن العلاقة الحقيقية بين العقل والوحي، هي العلاقة القائمة بين الخالق والمخلوق، وبين الله والإنسان. و هذه العلاقة هي علاقة حقيقية، لا يمكن إنكارها عمليا، سواء آمنا بها أو لم نؤمن بها. وعليه فإن العقل الإنساني ليس مستقلا في علاقته مع خالقه، و هذا يفرض عليه أن يكون عبدا مطيعا لخالقه ملتزما بشرعه. ومن يزعم بأن العقل مستقل عن خالقه فهو مغرور و متكبر، ومريض ومتبع لهواه لا لعقله ومنطقه.
والموقف الثاني مفاده هو أن العلاقة التي كانت بين الدين والفلسفة هي علاقة حرب، وذلك أن حسن حنفي ذكر أن الدين «هو الذي يبدأ بالحرب ضد الفلسفة دفاعا عن السلطة ضد حرية النقد» [2] .
و أقول: إن كلامه هذا فيه حق وباطل، وذلك أنه يجب التفريق بين الدين الحق، والدين الباطل، فالأول هو الحجة، وأما الثاني فليس حجة. كما أنه يجب التفريق بين العقل النظري البديهي الصريح، وبين العقل المذهبي المنحرف، ويجب التفريق بين الفكر الصحيح و الفكر الباطل، و التفريق أيضا بين الفلسفة الصحيحة، والفلسفة الباطلة الزائفة. هذا كله أغفله حسن حنفي وأصدر حكما عاما دون دليل صحيح.
(1) حسن حنفي: في فكرنا المعاصر، ص91 والدين والثورة في مصر ج7،ص:160، ج 8، ص:264 - 265
(2) حسن حنفي: حوار الأجيال، القاهرة، دار قباء، 1998،ص 156