علما بأن الصحيح هو أن الإنسان المنحرف أو العقل المريض أو الفكر الفاسد هو البادئ بالحرب على طريقة إبليس اللعين الذي عصى ربه، ولم يطعه عندما أمره بالسجود لآدم، فأبى واستكبر وقال: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} -سورة الأعراف:12 - . فهذا الموقف الشيطاني مخالف للشرع وللعقل معا، لأنه لا يصح للمخلوق أن يعصي ربه، ويرفض أوامره. هذا الطريق هو نفسه الذي سار عليه الإنسان الكافر بربه و العاصي له و المنحرف عن دينه. فالإنسان الذي ذلك حاله، هو البادئ بالحرب لأنه رفض أن يكون عبدا لخالقه، ورضي أن يكون عبدا لأهوائه، وشهواته، وشبهاته. وهذا يعني أنه اعترض على خالقه ورفض دينه، فاستحق بذلك سخط الله وغضبه وعذابه. فمن البادئ بالحرب إذن؟!. إنه الإنسان الضال المنحرف المريض، الذي أعلن الحرب على خالقه، رفض شرعه ودينه، و سخر فكره وقدراته للتمرد على مولاه.
وأما العقل النظري الصريح والعقل السليم الصحيح. فلا يقولان ذلك ولا يفعلانه أبدا. فهما لم يُعلنا حربا على الله، ولا على الدين الحق، ولا على الفكر الصحيح، وإنما اقر بالعبودية التامة لله تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَ نُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» سورة الأنعام-. فعلا ذلك على أساس من الشرع الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح.
وأما الدين الباطل فالتاريخ يشهد على أنه شارك في شن الحرب على كثير من أهل العلم، كما حدث في صراع الكنيسة مع كثير من العلماء في أوروبا، فضيقت عليهم، واضطهدت بعضهم وفرضت آراءها على الناس بالقوة [1] .
و هذا الذي حدث لم يكن خاصا بالأديان الباطلة فقط، وإنما حدث مثله وأكثر منه على يد الفلسفات الباطلة أيضا. من ذلك ما فعلته الفلسفة اليونانية في الفكر البشري، فقد أضلته قرونا طويلة بأساطيرها وأباطيلها، وظنونها وشركياتها، ومنطقها العقيم، و بكثير من طبيعتها الخاطئة المخالفة للشرع وللعلم [2] . فكانت سببا في إفساد الفكر
(1) انظر مثلا: يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار القلم، بيروت، دت، ص: 17،18،19 وما بعدها
(2) للوقوف على نماذج من ذلك انظر كتابنا: فقد فكر الفيلسوف ابن رشد الحفيد على ضوء الشرع والعقل والعلم يوجد على شبكة الأنترنت، و هو مطبوع و رقيا أيضا.