الصفحة 73 من 643

والسلوك، وتأخير تقدم العلم، الذي لم يتمكن من تحقيق انتصاراته الكبرى والأساسية، إلا بعدما تخلص من أباطيل الفلسفة اليونانية، في المنطقيات، والإلهيات، والطبيعيات [1] .

و تلك الفلسفة -أي اليونانية - هي التي أفسدت أفكار و سلوكيات الفلاسفة المسلمين، فأنكروا حقائق الشرع، وقالوا بأباطيل تلك الفلسفة، فأنكروا النعيم المادي يوم القيامة، و زعموا أن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، وقالوا بأزلية العالم. الأمر الذي جعل الشيخ أبا حامد الغزالي يكفرهم بسبب ذلك، ويبدعهم في 17 مسالة [2] .

ومن ذلك أيضا ما حدث في الفترة الحديثة والمعاصرة، عندما هيمنت الفلسفة الاشتراكية والشيوعية على كثير من بلاد العالم فحاربت الدين بلا هوادة، وسعت إلى قلعه من جذوره، ومارست القتل والتشريد في حق الأبرياء، وفرضت فكرها المادي بالقوة على رعاياها، وحاربت الأديان عامة، والإسلام خاصة. فعلت كل ذلك -وغيره- انتصارا لتلك الفلسفة، وللسلطات التي كانت تتبناها في الاتحاد السوفياتي، والصين، وأوروبا الشرقية، وفي كثير من بلاد المسلمين والعالم الثالث [3] .

وأما قوله بأن الدين شن الحرب ضد حرية النقد، فهو كلام فيه حق وباطل، وذلك أن الدين الحق جاء ليحرر العقل من أغلال التقليد، والجمود، والسلبية، وعبادة الأهواء والظنون، والعصبيات والشياطين. كما أنه أمر بالتفكير العلمي و النقد الصحيح، والبعد عن التفكير الخرافي. والنصوص الشرعية في ذلك كثيرة جدا، منها قوله تعالى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا» -سورة الإسراء:36 - ، و «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا» -سورة الكهف:29 - ، و «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ

(1) انظر مثلا: يوسف كرم المرجع السابق ص:19 وما بعدها

(2) الغزالي: المنقذ من الضلال، المكتبة الثقافية، بيروت، ص: 17 و ما بعدها.

(3) انظر مثلا: محمد الغزالي: الإسلام في وجه الزحف الأحمر. ويوسف القرضاوي: الحلو ل المستوردة وكيف جنت امتنا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت