الصفحة 74 من 643

اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» -سورة البقرة:256 - ، و «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» -سورة البقرة:111 - ،و «إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفُسُ» -سورة النجم:23 - ،و «وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ» -سورة الحج: 8 - .

لكن الفكر المريض المنحرف اللاعقلاني هو الذي يحارب الفكر الصحيح، والنقد العلمي الحيادي، ويقاوم الشرع الصحيح والعقل الصريح. ويرفض أن يكون عبدا لله تعالى، ويرضى أن يكون عبدا للأهواء والظنون، و الشهوات والشياطين. وكما أننا لا ننكر أنه وُجدت أديان باطلة قمعت حرية الفكر انتصارا لمصالحها ونفوذها السياسي ضد حرية الفكر، فإنه وجدت أيضا فلسفات منحرفة ضالة حاربت الدين وحرية الفكر انتصارا لأفكارها ونفوذها السياسي.

وبذلك يتبين أن علاقة الحرب التي ذكرها حسن حنفي هي في الحقيقة لم تظهر بين الدين الحق والعقل النظري البديهي الصريح، وإنما ظهرت عندما انحرف الإنسان باسم الدين، أو باسم العقل، مما أدى إلى تحريف الفكر والدين معا. علما بأن العلاقة الصحيحة بين الدين الحق والإنسان السوي -بعقله الصريح و قلبه السليم - هي علاقة عبودية المخلوق لخالقه العظيم القائمة على الحب والخوف والرجاء.

وأما الموقف الثالث فمفاده أن العلاقة بين العقل والوحي قد تكون علاقة تمرد قال بها الكاتب التونسي هشام جعيط، فقال: «إلا أن العقل قد يتمرد أمام فكرة أن الله انزل كتابا على إنسان يطلب فيه الإيمان الصارم بوجوده ووحدانيته. كما قد يتمرد على فكرة أن الله تجسد في عيسى فقتل وصلب من أجل الإنسانية» . ثم قال: «ولا أتكلم هنا عن الفكر الحديث الذي طرد المقدس من العالم بل عن الماضي» [1] .

وأقول: إن كلامه هذا فيه حق وباطل، مزج بينهما انتصارا لباطل، لأنه أولا من حق العقل أن يتمرد على الأباطيل والخرافات، بل ويجب عليه فعل ذلك. لكن لا يحق له أن يتمرد على الحقائق والبراهين، ولا أن يرفض الشرع الصحيح. لكنه - أي العقل - قد ينكر الحق يقاومه لسببين: إما أنه التبس عليه الأمر فلم يميز بين

(1) هشام جعيط: الوحي والقرآن، ص71

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت