الحق والباطل فاتبع الباطل. وإما أنه تبين له الحق من الباطل لكنه جحد الحق واخذ بالباطل إتباعا لأهوائه ومصالحه. وفي هذه الحالة -أي الثانية - فإن موقفه هذا ليس موقفا عقلانيا، وإنما هو موقف متعصب ومتحيز للباطل وغير عقلاني، استخدم فيه العقل وسيلة لخدمة الأهواء والمصالح الدنيوية، وموقف كهذا لا يصح تسميته موقفا عقلانيا، وإنما هو موقف متعصب متحيز مخالف للشرع والعقل والعلم. وهذا هو الذي اخذ به هشام جعيط، لأن العقل البديهي لا يستبعد و لا يستهجن ولا ينكر أن يحدث إمكانية اتصال بين الخالق والمخلوق عن طريق الوحي مثلا. فيكون النبي واسطة بين الخالق والمخلوق، فأي مانع أو عائق يمنع إمكانية حدوث ذلك؟! إنه لا يوجد أي مانع ولا عائق عقلي يمنع ذلك أو يستبعده. وهل يصح في العقل أن الله الخالق العظيم الحكيم يخلق الإنسان ثم يتركه هائما على وجهه، فلا يعرّفه بالله الذي خلقه ولا بنفسه ولا بالغاية التي خلقه من أجلها ولا بالمصير الذي ينتظره؟!. إن هذا لا يصح في العقل ومخالف للحكمة، وهو عبث وإهمال يتنافى مع كمال الذات الإلهية وحكمتها ورحمتها.
والرأي الذي قال به هشام جعيط ليس جديدا فقد قالت به أقوام كافرة ضالة قبل ظهور الإسلام، لأنها اتبعت أهواءها وظنونها وشهواتها ولم تتبع عقولها الفطرية، وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك ورد عليهم في قوله سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} -سورة الأنعام:91 - .
ولا يحق للعقل أن يتمرد على الحق الذي يقول: إن الله اتصل بالإنسان عن طريق الوحي. لأن هذا أمر نصّ عليه الشرع في قوله تعالى: «َمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء أنه عَلِيٌّ حَكِيمٌ» -سورة الشورى:51 - . فهذا أمر صحيح قال به الشرع ولا ينكره العقل، وإنما يُقر به ويستحبه، ويُطالب به ولا يستبعده.