لكن يجب عليه - أي العقل - أن يتمرد على الدين الباطل والرأي الفاسد والفلسفة الضالة المنحرفة كالزعم بأن الله تجسد في عيسى -عليه السلام - فقُتل وصُلب من أجل خلاص الإنسان. فهذه خرافة مخالفة للشرع ومرفوضة لدى العقل الفطري، ومُستهجنه عنده ومُستبعده عقلا و واقعا. لكن هشام جعيط لم يميز بين التمرد المرفوض في موقفه من الحق، و بين التمرد المطلوب والمفروض على العقل فعله في موقفه من الأفكار الباطلة والمنحرفة والمخالفة للشرع والعقل معا.
وثانيا إن ما قاله عن الفكر الحديث فيه تظليل وتدليس وتعميم بلا حق لأن الفكر الحديث ليس اتجاها واحدا، بل فيه اتجاهات فكرية كثيرة حسب المنطلقات العقدية و المذهبية لدى أهل العلم. فمنه الفكر المادي الإلحادي والفكر المادي المؤمن، والفكر المثالي، والفكر الديني الإسلامي، و الفكر الديني النصراني، و الفكر الديني اليهودي، و الفكر الديني الهندوسي، و الفكر الوضعي، و الفكر الوجودي، و الفكر اللاأدري [1] . وعليه فلا يصح التعميم الذي قال به هشام جعيط، فليست كل التيارات الفكرية طردت المقدس من فكرها، بل ما تزال تؤمن بكثير من خرافات ومقدسات الماضي، وهي موجودة في التيارات والمذاهب القديمة والحديثة، نجدها في الاتجاهات الصوفية والنصرانية واليهودية والبوذية والشيعية. فهذه الاتجاهات قديمة وجديدة في نفس الوقت، ما تزال تؤمن بخرافاتها وأباطيلها شعوب كثيرة مع مخالفتها للشرع الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح [2] .
وأما الفكر المادي الحديث فهو وإن كان قد طرد المقدس الماضي القديم من فكره فقد قال بمقدس قديم أيضا وهو الإلحاد، فالإلحاد مقدس عند أصحابه قديما وحديثا، فهو دينهم وإلههم. والإلحاد ليس جديدا، فهو وإن كان قليل الانتشار لكنه كان موجودا، و تاريخ الفلسفة يذكره. وقد أشار القرآن الكريم إلى طائفة من الملاحدة معروفة بالدهرية أو بالدهريين في قوله سبحانه: «وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» -سورة
(1) - انظر مثلا: يوسف كريم: تاريخ الفلسفة الحديثة وإمام عبد الفتاح إمام: مدخل الميتافيزيقيا ط1، نهضة مصر 2005، وعلى عبد المعطي محمد: مقدمات في الفلسفة، زار النهضة العربية،1985 و وجدان الدين خان: الدين في مواجهة العلم، ط4 المختار الإسلامي القاهرة 1978.
(2) - كلامنا هذا لا يحتاج إلى توثيق لأن الأديان والمذاهب الخرافية القديمة ما تزال إلى يومنا هذا ولها أتباع كثيرون في مختلف جهات العالم.