وأما عقلا فالأمر واضح أيضا فلا يصح للمخلوق أن يسبق خالقه، ولا يصح أن يتقدم الكلام الناقص على الكلام الإلهي المعجز المطلق المحكم المفصل. والعقل الذي يزعم خلاف ذلك هو عقل مريض أفسدته الأهواء والشبهات والتعصبات، ولم يصبح عقلا بديهيا سويا. ومن ثم لا يصح الاعتماد عليه ولا الاحتكام إليه، و لا الاحتجاج به في مثل تلك الأمور.
وأما الاعتراضات التي أوردها حسن حنفي، فبعضها غير صحيح وبعضها الآخر ما هو إلا وسائل تابعة لشرع نفسه، وليست مستقلة عنه، ولا تتحكم فيه، وليست مهيمنة عليه، بل هو -أي الشرع - الأصل والمنطلق، وهو المتحكم فيها. ومسالة صحة النقل ليست مطروحة أبدا بالنسبة للوحي الإلهي -أي القرآن الكريم - فهو قطعي الورود والثبوت بدليل الشرع والخبر المتواتر وهذا أمر سبق بيانه. وأما بالنسبة للغة فهي وسيلة لفهم الوحي، وهو مصدرها، فالقرآن الكريم هو الوثيقة الأم والفريدة للغة العربية من جهة، و أن القرآن الكريم يتضمن بداخله معجمه اللغوي لفهمه وتفسير نفسه بنفسه من جهة أخرى.
وأما أسباب النزول فنتوسع فيها لاحقا إن شاء الله تعالى، لكننا مع ذلك نقول: إن أسباب النزول تابعة للشرع وهو الذي أوجدها ويتحكم فيها ويوجهها، وليست هي التي أوجدته ولا هي التي تسيره وتوجهه. علما بأن الشرع كثيرا ما يتضمن بداخله أسباب نزوله، كقوله تعالى: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا» -سورة المجادلة:1 - . ومنه أيضا قسم ليست له أسباب نزول، فهناك آيات كثيرة نزلت دون مناسبة [1] .
وأما الناسخ و المنسوخ، فيجب أن نعلم أن هذا العلم فيه أباطل كثيرة، لذا يجب التنبه إلى ذلك. لأن أهل الأهواء وجدوا في النسخ وسيلة لتأييد مذاهبهم، فاختلقوا روايات كثيرة تتعلق بالنسخ و وجهوها حسب أهوائهم و مصالحهم [2] . لذا يجب تضيق مجاله والاعتماد أساسا على الوحي نفسه في معرفة الناسخ والمنسوخ، عن طريق القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، فالشرع هو أصل الناسخ والمنسوخ
(1) انظر عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي، ص:40
(2) - انظر مثلا صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن، ط25، دار العلم للملايين، بيروت، 2002، ص 259 وما بعدها