الصفحة 79 من 643

وهو أصل اللغة وأسباب النزول. فهو المصدر وغيره تابع له، وليس كما أراد أن يوهمنا به حسن حنفي.

وأما الموقف الخامس فيتعلق بتأثير النصوص الشرعية على نشاط العقل فزعم حسن حنفي أن الدليل الشرعي - أو النقلي - دليل خارجي إذا دخل على الخطاب العقلي كسره وقطعه. علما بأن العقل موطن البداهة و الوضوح والتميز والاتساق الفكري، وله يقين داخلي مكتفٍ بذاته ولا يحتاج إلى يقين خارجي زائد. فإذا دخل عليه الدليل الشرعي كسر اتساقه النظري، وقضى على استقلاله، وجعل فكره قائما على براهين خارجية عنه وهي ظنية. كما أن الدليل النقلي - أي الشرعي -"يقضي على وظيفة العقل في تحليل الوقائع وعلى طبيعته المستقلة"وينقص من يقينه الداخلي [1] .

وردا عليه أقول: إن كلامه هذا لا يصح، وفيه تغليط وتدليس على القراء، لأنه أولا وصف الدليل الشرعي بأنه خارجي ومن ثم لا شرعية له في التدخل لتوجيه فكر الإنسان. وهذا زعم باطل من أساسه، لأن شرعية تدخل الوحي الإلهي في توجيهه فكر الإنسان وسلوكه هي شرعية لا يصح إنكارها ولا الطعن فيها، ولا يحق لأي إنسان أن يرفضها، أو يستنكرها، أو يستهجنها فهي علاقة لا تحتاج إلى إذن أو تسريح من احد. فهي علاقة طبيعية بين الخالق والمخلوق وضرورية للإنسان إذا رفضها ضل وأضل، وخسر الدنيا والآخرة، فالله تعالى ليس بعيدا عن مخلوقاته فهو سبحانه الذي {يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} -فاطر:41 - ،و {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ} -الرحمن:29 - . فهو قريب من الإنسان بكتابه وعلمه، وقدرته وإرادته، وجنوده وحكمته، لقوله تعالى: «َنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» -سورة ق: 16.

وأما حكاية العامل الخارجي التي بنى عليها الرجل زعمه، فهي مغالطة ولا تصح بالطريقة التي عرضها بها الرجل، و طعن من خلالها في تأثير العوامل الخارجية

(1) حسن حنفي: من العقيدة إلى الثورة ج1،ص:103،372،380. وفي فكرنا المعاصر، ص: 83

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت