الصفحة 80 من 643

في فكر الإنسان وسلوكه. مع أن الأمر ليس كما صوره أصلا، لأن الإنسان ككائن مخلوق هو جزء من هذا الكون المخلوق لله تعالى، يتأثر به ويؤثر فيه، وعليه فإنه لا يصح القول: إن هذا عامل خارجي غير شرعي، وهذا عامل داخل له الشرعية. فهذا زعم باطل لأن العالم بما فيه الإنسان يمثل وحدة واحدة والإنسان جزء منه محكوم بقوانينه وسننه، ولا يستطيع أن يعيش من ذاته وبذاته مستقلا عن المخلوقات المحيطة به. فهو مخلوق ناقص بذاته ومحتاج إلى غيره، وغير ذاتي التغذية، فلا بد له من وسط خارجي يعيش فيه ويأخذ منه ما يحتاجه من فكر و أكل، ولباس وتنفس. ولا حياة له دون أرض وشمس، وهواء وقمر، وليل ونهار. بل إن الإنسان يولد ولا يعلم شيئا، ثم يتفاعل مع واقعه الخارجي، فيؤخذ منه كل ما يحتاجه، لقوله تعالى: «وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شيئا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» -سورة النحل:78 - .والواقع شاهد على صدق ما قرر القرآن الكريم، فلا حياة للإنسان دون محيطه الخارجي فكرا وسلوكا. وليس للعقل خيار في ذلك، وليس عيبا أن يأخذ منه فكر وتجاربه، و لباسه و طعامه. بل إن هدا مفروض عليه، أحب أم كره، و ليس له فيه خيار.

وثانيا إن تدخل العوامل الخارجية في نشاط العقل وأحكامه، هو أمر ضروري وعادي لكنه قد يكون ايجابيا، وقد يكون سلبيا فليس صحيحا ما زعمه حسن حنفي، بأنها ُتكسرالفكر وتُعطله ... وتفقده تجانسه. فهذا تعميم لا يصح، لأنه قد يحدث وقد لا يحدث، ويتعلق بطبيعة العامل الخارجي والموضوع محل البحث. فإذا كان العامل الخارجي صحيحا متسقا ومنسجما ومتجانسا مع الموضوع، واُستخدم بطريقة صحيحة كان عامل قوة وتنوع، و صحة ويقين وإثراء. والواقع الذي نعيشه شاهد على ذلك. فعندما يكثر باحث ما من ذكر الشواهد والأدلة الخارجية الصحيحة والمتنوعة حول موضوع ما، ويذكرها بطريقة سليمة ويعضها في المكان المناسب، يكون عمله ممتازا، و قويا، ومتميزا، ومبدعا، وحاسما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت