الصفحة 81 من 643

فكذلك الأمر بالنسبة للأدلة الشرعية الصحيحة، فإذا استخدمها باحث ما بطريقة صحيحة كانت له مصدر ثقة ويقين وشرعية من جهة، ومصدر إثراء وتنوع وتوجيه وكلمة فصل من جهة أخرى. وأما الذي أشار إليه حسن حنفي وحذر منه فهو قد يحدث إذا كانت النصوص غير صحيحة، أو عندما تُستخدم بطريقة غير سليمة، وتوضع في غير موضعها، وتُحمل ما لا تحتمله. وهذا ليس خاصا في النصوص الشرعية فقط، وإنما يصدق على كل الأدلة إذا لم تستخدم بطريقة صحيحة، فيفسد المعنى ويضطرب الفهم ويفقد انسجامه وتناسقه.

والرجل متناقض مع نفسه وذلك أنه نسي أو تناسى أنه هو شخصيا استخدم أدلة خارجية كثيرة في مؤلفاته، و بنى عليها فكره، أخذها من القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن كتب الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم من أهل العلم القدماء والمحدثين معا. فلماذا سمح لنفسه بأن يأخذ بالعوامل الخارجية، وانتقد من يأخذ بها، ودعا إلى عدم الأخذ بها، و حثّ تقديم العقل على الشرع، بدعوى أنها عوامل خارجية؟!. ولماذا اتهم العامل الخارجي بأنه يكسر الفكر ويذهب انسجامه، ولم يعترف بأن فكره هو نفسه قد تعرض للتكسير والخلط وعدم التناسق، عندما استخدم العوامل الخارجية؟!.

وأما زعمه بأن العقل موطن البداهة واليقين، فهذا زعم باطل في معظمه، لأن الثابت شرعا، وعقلا وواقعا، هو أن العقل قوة نسبية من قوى الروح، و هو خليط من اليقينيات، والظنيات، والشكوك والاحتمالات، والظنون والترجيحات، والحقائق والأباطيل، مع التباين في نسبة ذلك من إنسان إلى أخر، وهذا أمر سبق أن ناقشناه وبيناه فيما تقدم من كتابنا هذا.

ولا يصح الزعم بأن العقل مكتف بنفسه ويقينه. فهذا افتراء على الشرع والعقل و العلم والواقع، لأن الإنسان يولد ولا يعلم شيئا وليس له إلا القدرات والاستعدادات الفطرية العقلية والنفسية والجسدية، لقوله سبحانه: «وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شيئا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» -سورة النحل:78 - . ثم عندما يتفاعل الإنسان مع محيطه الخارجي تنموا قدراته ويكتسب معارفه وتجاربه، بل حتى البديهيات العقلية هي ثمرة تفاعل قدراته الداخلية مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت