الصفحة 83 من 643

كل دليل صحيح يصل إلى العقل فسيكون في صالحه، فيزيد في علمه ومهارته، واتساع افقه. وهذا خلاف ما زعمه حسن حنفي الذي أراد أن يوهمنا بما ادعاه.

فالوحي الإلهي لا ينقص من يقين العقل، ولا يشوش عليه، وإنما ينقذه من الضياع ويضعه في المكان الصحيح المناسب له، ويغنيه بالحقائق واليقينيات التي يعجز العقل من الوصول إليها. ويضع له منهاج عبادته لربه وسعادته في الدنيا والآخرة، ويحثه على تدبر آيات الكتاب والأنفس والطبيعة لاكتشاف سننها وتسخيرها لصالح الإنسان من جهة، ويأمره بالالتزام بالمنهج العلمي الصحيح في التفكير والبحث وطرق الاستدلال في كل المجالات العلوم من جهة أخرى. لقوله سبحانه: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا» -سورة الإسراء:36 - ،و «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» -سورة العنكبوت:20 - «قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» -سورة الأنعام:11 - ، و «قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» -سورة البقرة:111 - . فالوحي الإلهي ليس كما زعم حسن حنفي، إنما هو مصدر علم ويقين، ونور وهداية، وتوجيه وضبط، وإنقاذ وتشجيع، وتصحيح و تصويب.

وأما زعمه بأن العقل له طبيعة مستقلة عن الوحي، فهذا أمر يحتاج إلى تفصيل لبيانه، نعم أن العقل جزء من الإنسان، الذي هو مخلوق لله تعالى، فالفارق أساسي بين الخالق والمخلوق. لكن هذا الانفصال لا يعطي للإنسان الاستقلالية التامة، فهذا مخالف للواقع لأن الإنسان مخلوق ناقص محدود، لا يمكنه الاستغناء عن الله، وهو تابع له، وقدراته العقلية والنفسية والجسدية محدودة، لا تمكّنه من الاستغناء والاستقلال الكلي عن خالقه من جهة، كما أن الإنسان في ذاته مفطور على الإقرار بخالقه والبحث عنه، ومحبته وعبادته من جهة أخرى. لقوله تعالى «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ» -سورة الأعراف:172 - ،و «فطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» -سورة الروم:30 - .فحكاية استقلال الإنسان عن خالقه استقلالا تاما، عن كمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت