واستغناء هي حديث خرافة لا يمل حسن حنفي وأمثاله من أدعياء العقلانية من ترديدها من دون دليل صحيح من الشرع و لا من العقل ولا من العلم.
والموقف السادس يتعلق بالتعارض والتناقض الذي قد يحدث بين الوحي والعقل، فيرى حسن حنفي أنه إذا حدث بينهما تعارض فالحَكُم هو العقل، و يُؤوّل الشرع، لأن العقل أساس الشرع. وأشار إلى أنه لا وجود للدليل المركب من النقل والعقل، والعقل والنقل، لأن كل وسط أقرب إلى احد الطرفين وهو أقرب إلى النقلي منه إلى العقلي. وينتهي في الغالب - في حالة التعارض - إلى تغليب النقل على العقل، وهدم للعقل ويصعب التركيب بينهما لأنهما متضادان [1] .
وأقول: إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، لأنه أولا لا يمكن -من الناحية المبدئية - أن يوجد تعارض أو تضاد بين كلام الله وحقائق الكون، وبمعنى آخر أنه لا يمكن أن يوجد تناقض بين كتاب الله المسطور - وهو الوحي - وكتابه المنظور - وهو الطبيعة -،لأن مصدرهما واحد وهو الله تعالى. لكن هذا لا يصدق على أفكار الإنسان وسلوكياته بالضرورة، لأن الإنسان مخلوق يتمتع بالإرادة وحرية الاختيار. ومن ثم فإن أفكاره وسلوكياته لا تصدر عنه آليا وطبيعيا وغريزيا من دون تحكم منه، فله القدرة على الرفض والقبول، والإيمان والكفر. و أعماله ومواقفة تحتمل الخطأ والصواب، وليست على نمط واحد. لذا فإن نشاطه يختلف عن حركات الشمس والرياح والأمطار، ومن ثم فليس من الضروري أن يوجد توافق بين أحكام الشرع و بين آراء العقل وأحكامه، فقد يحدث ذلك وقد لا يحدث. وبمعنى آخر، فإنه قد يوجد تطابق بينهما، وقد يوجد اختلاف وتناقض.
و حدوث ذلك التناقض لا يقدح في الشرع، ولا يعطي للعقل أسبقية على الوحي، لأن ذلك إذا حدث فهو إما أن العقل استخدم دليلا غير صحيح فتناقض مع الوحي، وإما أنه اخطأ في فهم الشرع فجاء فهمه مخالفا للشرع نفسه، وإما أنه اعتمد على حديث غير صحيح، فجاء فهمه مخالفا للقرآن الكريم، والسنة الصحيحة. لكن إذا كان المنطلق صحيحا، والفهم سليما، والنص الشرعي صحيحا فإنه لن يوجد تناقض
(1) حسن حنفي: من العقيدة إلى الثورة ج1،ص:273،380