الصفحة 86 من 643

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ» -سورة الطور:35، 36 - نكون قد تحصلنا على دليل عقلي شرعي.

والرجل قد ناقض نفسه عندما قرر أنه لا وجود لدليل يجمع بين الدليل الشرعي والعقلي، ثم عاد وقال: إنه يصعب التركيب بين الدليلين النقلي والعقلي لأنهما متضادان، فهو هنا قال: يصعب، وهناك قال: لا وجود لذلك التركيب فهذا تناقض لأنه إذا قلنا: يصعب التركيب فهذا يعني أنه صعب لكنه ممكن وليس بمستحيل. و إذا قلنا: لا وجود له. فهذا يعني أنه لا يمكن أن يوحد ومن ثم لا يصح القول: أنه يصعب التركيب بينهما، فهو إما لا وجود له، وإما أنه يصعب وجوده، ومن ثم لا يصح الجمع بينهما خاصة، وأنه وصفهما بالتضاد والمتضادان لا يجتمعان.

وأما قوله بأن تغليب الشرع على العقل في حالة تعارضهما يؤدي إلى هدم العقل، فهذا يحدث بين العقل والدين الباطل، و بينه و بين الفلسفات الباطلة أيضا. لكنه لن يحدث بين الشرع الصحيح، والعقل الصريح، والعلم الصحيح، ومن ثم فلا يُهمل الشرع، ولا العقل، ولا العلم، لأن الذي يجمع بينهم هو التوافق والتطابق لا التعارض والتناقض. علما بأن هذا لا ينفي أسبقية الوحي الصحيح على العقل، فهذا أمر ثابت شرعا وعقلا، وليس هو هدما للعقل وإنما هو قول يُقره العقل الصريح من جهة، و وضع للعقل في المكان المناسب وعدم تحميله ما لا يطيق من جهة أخرى. وهذا أمر سبق أن توسعنا فيه في المبحث الثاني من هذا الفصل.

و أشير هنا إلى أن نصر حامد أبا زيد ذكر أن التوفيق بين العقل والنقل هو معضلة في الفلسفة و علم الكلام معا [1] . وقوله هذا صحيح فقد شكل ذلك معضلة في الفلسفة وعلم الكلام. مع أن الحقيقة ليست كذلك، وكان من الممكن جدا حلها وتجنبها لو أن الفلاسفة والمتكلمين وضعوا الموضوع في مكانه الصحيح، وتناولوه بمنهجية سليمة. لكن انحرافهم المنهجي أوقعهم في تلك المعضلة التي استعصت عن الحل، وما تزال قائمة إلى يومنا هذا مثارة بين أهل العلم الذين على منهج هؤلاء. ولو أنهم وضعوا كلا من الوحي الحق، والعقل الصريح، في مكانه الصحيح بدليل من

(1) نصر أبو زيد: فلسفة التأويل،.ص: 15

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت