الشرع الصحيح، والعقل الصريح، ما حدث إشكال ولا تعارض، ولا تناقض، ولا وُجدت معضلة أصلا. وبما أنهم انحرفوا عن المنهج الصحيح فقد حاروا واضطربوا و ضلوا، و بقيت المعضلة قائمة بلا حل، مع أنهم هم الذين توهموها وأوجدوها. فلو قدمنا كلام الله على عقول البشر ووضعنا العقل في مكانه الصحيح، بلا إفراط ولا تفريط، ما حدث إشكال ولا تناقض بين الشرع والعقل. وبما أن هؤلاء أصروا تقديم عقولهم على كلام ربهم، وعارضوه بشبهاتهم وظنونهم، فإن المعضلة ستظل قائمة , و التناقض لن يرفع. علما بأن ما قلناه عن التوافق بين الوحي والعقل لا يصدق على الأديان الباطلة وإنما هو يصدق فقط على دين الإسلام، لأن الأديان الأخرى هي أديان محرّفة وباطلة من جهة، و هي في الحقيقة إنتاج فكري فلسفي بشري فاسد من جهة أخرى. ومن ثم فهي مخالفة للشرع الحق والعقل الصريح والعلم الصحيح بالضرورة ويجب رفضها وإبطالها و تأخيرها وتقديم العقل والعلم عليها.
وختاما لهذا المبحث يتبين أن الأباطيل التي ذكرناها عن بعض أدعياء العقلانية المتعلقة بطبيعة العلاقة بين الوحي والعقل، لا تعبر عن العلاقة الصحيحة بينهما، وإنما هي شبهات تعلق بها هؤلاء لتأييد باطلهم في الزعم بأن العقل أساس الشرع، وأنه أسبق منه، مع أن الحقيقة خلاف ذلك. وقد بينا تهافت مزاعمهم وأظهرنا أن العلاقة الصحيحة بينهما هي علاقة عبودية الإنسان لخالقه عز وجل، القائمة على الحب والخوف والرجاء.
رابعا أباطيل تتعلق بسلطة الوحي وسلطة العقل:
نخصص هذا المبحث لطائفة من الأباطيل تتعلق بسلطة الوحي وسلطة العقل، قال بها الباحث المصري نصر حامد أبو زيد نذكرها من خلال المواقف الآتية: أولها يتمثل في أن الرجل زعم أن «النصوص في ذاتها لا تمتلك أي سلطة اللهم إلا السلطة المعرفية التي يحاول كل نص -بما هو نص - ممارستها في المجال المعرفي الذي ينتمي إليه» [1] . وهذه السلطة - أي المعرفية - لا تتحول إلى سلطة
(1) نصر حامد أبو زيد: التفكير في زمن التكفير، .. ص:138