الصفحة 88 من 643

ثقافية اجتماعية إلا بفعل الجماعة التي تتبنى النص وتحوله إلى إطار مرجعي، وأما السلطة التي تتمتع بها النصوص فيُضفيها «عليها العقل الإنساني، ولا تنبع من النص ذاته» [1] .

وردا عليه أقول: إن قوله هذا غير صحيح في معظمه، وفيه تغليط وتدليس وتحريف للشرع. لأنه أولا إن النصوص لها سلطة حقيقية من جهتين، هما: من جهة قائلها ومن جهة مضمونها، لكن الرجل اغفل سلطة القائل، وحرّف سلطة المضمون، وذلك عندما حدد سلطة المضمون في السلطة المعرفية فقط. وهذا لا يصح لأن سلطة النص ذاتية يحدد نوعها المضمون الذي يحمله، فقد يكون النص غير معرفي فيكون سلطة أمر ونهي، أو سلطة تحذير و وعظ، أو سلطة تبليغ وإعلان، أو سلطة شرح وبيان، أو سلطة ترغيب وترهيب، أو سلطة إعلان حرب.

وبما أن كل نص له سلطتان: سلطة القائل وسلطة المضمون فإن قوة النص تختلف من نص إلى أخر، حسب قوة القائل والمضمون. فإذا كتب عالم فيزيائي بارع متخصص مقالا في موضوع مُحدد من علم الفيزياء، ثم كتب عالم فيزيائي آخر مبتدئ مقالا في نفس الموضوع الأول، فإن الغالب الأعم هو أن مقال الأول له سلطة أقوى من سلطة الثاني. لأن المقال الأول اخذ قوته من مكانة كاتبه، ومن المادة العلمية التي كتبها هذا المتخصص المتمهر في تخصصه.

وإذا أصدر كل من الوالي والوزير ورئيس الجمهورية أمرا حول موضوع واحد، فلا شك أن لكل نص قوته وسلطته التنفيذية، لكن كل منها يختلف عن الآخر، من حيث درجة القوة والفاعلية والتنفيذ، بسبب اختلاف مكانة صاحب النص، مع أن الموضوع واحد.

وبذلك يتبين أن ما زعمه الرجل لا يصح، وأن كل نص يملك سلطة ذاتية تتفاوت قوتها ونفوذها وفاعليتها حسب قائلها ومضمونها. وهذا يصدق على كل نصوص البشر و يصدق من باب أولى على نصوص الشرع، التي هي أقوى من كل

(1) - حامد أبو زيد: الإمام الشافعي، ص: 15 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت