في شيء، وإنما هو تحريف متعمد للنص واعتداء عليه. وفي هذه الحالة توجد لدينا سلطتان، هما: سلطة النص وسلطة الشارح والمفسر - هي سلطة العقل - وعلى الثاني أن يحترم سلطة النص ويلتزم بالمنهج العلمي الصحيح في فهم النصوص والتعامل معها. فإذا ما حاول العقل - أي المفسر - أن يُغير مضمون النص ويحرّفه يكون قد انحرف وجانب الصواب. وإنما عليه أن يستخدم سلطته لفهم النص فهما صحيحا، وليس لنفي سلطته الذاتية، ثم يفهمه هو على هواه. لأنه لا تناقض بين السلطتين ولا تنافر بينهما، فتكون سلطة العقل خادمة وشارحة لسلطة نصوص الوحي، وهنا تجتمع السلطتان: سلطة النص الشرعي وسلطة العقل الشارح. الأولى هي التي تعرض نفسها وتفرض سلطتها، والثانية تفهمه وتحلله وتكشف عن معانيه و مقاصده وأسراره.
ومن ذلك يتبين أن ما زعمه حامد أبو زيد من أن أتباع النصوص هم الذين أعطوا للنصوص سلطتها هو زعم باطل مردود عليه. و لا يقول به إلا المحرّفون للنصوص الذين في قلوبهم زيغ و يشترون بآيات الله ثمنا قليلا. وقد أشار إليهم القرآن الكريم وذمهم في قوله تعالى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} -سورة التوبة:9 - ،و «َأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ» -سورة آل عمران:7 - . وحتى في هذه الحالة فهؤلاء لم يغيروا ولا أزالوا سلطة الوحي الذاتية، وإنما حرفوا النصوص بأهوائهم وظنونهم ومصالحهم، وحملوها أفكارا باطلة لا تحتملها. و مع هذا التحريف فإن نصوص الوحي لم تذهب سلطتها الذاتية، ولن تذهب لأن كلام الله تعالى مُحكم مُفصل لا يأتيه الباطل أبدا، ويفسر بعضه بعضا، ويكشف كل محاولات التحريف، والتغليط، والتدليس، ويفضح ألاعيب أصحابها من أدعياء العقلانية وأمثالهم من المحرّفين والمخرّفين.
وأما قوله بأن الفكر هو الذي يضفي على النصوص الشمولية والهيمنة، فهذا قول لا يصح تعميمه. لأن ذلك قد يحدث و قد لا يحدث، فالأمر مرتبط بطبيعة النص،