الصفحة 93 من 643

فالنص هو الحَكَم فإذا كان لا يحتمل ذلك ثم جاء مفسر و حرفه بتحميله ما لا يحتمل، وتقويله ما لم يقل، وجعله نصا شموليا مهيمنا؛ فهذا تحريف وإفساد للنص. لكن إذا كانت النصوص الشرعية صرحت بأنها شاملة ومهيمنة وفصلت ذلك فهنا على الفكر الموضوعي أن يبين المعنى الحقيقي لها ولا ينفي عنها شموليتها وهيمنتها، ولا يقلل من خصائص ومدى اتصافها بذلك. و إن حاول -في هذه الحالة - تحريفها فإن عمله سينكشف بالوحي و العقل معا. علما بأن شمولية دين الإسلام للدين والدنيا وهيمنته على كل الأديان والمذاهب ليس ذلك أمرا أضفاه العقل على الإسلام، وإنما هو أمر ثابت من دين الإسلام بالضرورة لقوله سبحانه: «مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ» -سورة المائدة:48 - ،و «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ» -سورة المائدة:3 - ،و «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» -سورة الأنبياء:107 - ،و «تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ» -سورة النحل:89 - ،و «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ» -سورة آل عمران:19 - «وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ» -سورة آل عمران:85 - .

وبذلك يتبين أن الرجل افترى على الإسلام عندما نفى عنه الشمولية والهيمنة، وهما من خصائصه وليسا ما أضفاه المفسرون على الإسلام عبر التاريخ الإسلامي. فهذا افتراء مكشوف وتجاوز للأدلة الشرعية، وتمسك بالأهواء والظنون، والمصالح المذهبية للوصول إلى تقزيم دين الإسلام، وإحلال العلمانية محله، وهذا أمر سنتوسع فيه في الفصل الأخير، ونكشف فيه أباطيل الرجل وخلفياته، و مفترياته على الإسلام في نفيه لشموليته وهيمنته.

و خامسا إن الرجل متناقض مع نفسه، وقد نقض زعمه في مواضع كثيرة من كتبه، وهذا التناقض لابد أن يقع فيه كل ما قال بما زعمه نصر أبو زيد والشواهد الآتية تثبت ذلك: أولها إنه زعم أن العلاقة بين النص والمفسر هي علاقة جدلية تقوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت