فهرس الكتاب
وأيضا: فإن كان لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى فقد حصل المقصود وإن كان لفظه صحب في طبقة أو طبقات؛ فإن لم يرد به الرؤية لم يكن قد بين مراده فإن الصحبة اسم جنس ليس لها حد في الشرع ولا في اللغة والعرف فيها مختلف.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقيد الصحبة بقيد ولا قدرها بقدر بل علق الحكم بمطلقها ولا مطلق لها إلا الرؤية, وأيضا فإنه يقال صحبه ساعة وصحبه سنة وشهرا فتقع على القليل والكثير ؛ فإذا أطلقت من غير قيد لم يجز تقييدها بغير دليل بل تحمل على المعنى المشترك بين سائر موارد الاستعمال.
ولا ريب أن مجرد رؤية الإنسان لغيره لا توجب أن يقال قد صحبه, ولكن إذا رآه على وجه الاتباع له والاقتداء به دون غيره والاختصاص به, ولهذا لم يعتد برؤية من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من الكفار والمنافقين؛ فإنهم لم يروه من قصده أن يؤمن به ويكون من أتباعه وأعوانه المصدقين له فيما أخبر المطيعين له فيما أمر الموالين له المعادين لمن عاداه الذي هو أحب إليهم من أنفسهم وأموالهم وكل شيء.
وامتاز أبو بكر عن سائر المؤمنين بأن رآه وهذه حاله معه فكان صاحبًا له بهذا الاعتبار [1] .
ب- ودليل ثانٍ ما ثبت في"الصحيحين"عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( وددت أني رأيت إخواني قالوا: يا رسول الله أولسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي, وإخواني الذين يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني ) ).
ومعلوم أن قوله إخواني أراد به إخواني الذين ليسوا بأصحابي, وأما أنتم فلكم مزية الصحبة ثم قال: قوم يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني.
فجعل هذا حدًا فاصلا بين إخوانه الذين ود أن يراهم وبين أصحابه فدل على أن من آمن به ورآه فهو من أصحابه لا من هؤلاء الإخوان الذين لم يرهم ولم يروه. فإذا عرف أن الصحبة اسم جنس تعم قليل الصحبة وكثيرها وأدناها أن يصحبه زمنا قليلًا [2] .
(1) "منهاج السنة" (8/388) .
(2) "منهاج السنة" (8/389) .