فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 78

1 -لما كان من الأصول التشريعية أنه إذا أمر واحد أن يصنع للناس شيئًا لمصلحة، فمن موجب ذلك أن يحث الناس على أن ينقادوا له فيما يريد، ويمتثلوا له ويطاوعوه، وإلا لما تحققت المصلحة المقصودة بالأمر.

فلما أمر الرجل أن يشيع أمر النكاح بوليمة تصنع للناس، وجب أن يؤمر أولئك أن يجيبوه إلى طعامه، فإن كان بعضهم صائمًا ولم يطعم فلا بأس بذلك؛ لأنه قد حصلت الإشاعة المقصودة.

2 -إن من الصلة أن يجيب الإنسان أخاه إذا دعاه لما في ذلك من إظهار الاهتمام به، وإدخال السرور عليه، وتطييب نفسه.

3 -إن في إجابة الدعوة تآلفًا وفي تركها ضررًا وتقاطعًا لما فيها من فساد النفوس وتوليد العداوة، فكانت واجبة.

ثانيًا: أدلة القائلين بالاستحباب:

استدل بعض الحنفية وبعض الشافعية ومن تبعهم على استحباب إجابة الدعوة.

بأدلة من المعقول فقالوا [1] :

1 -إن الوليمة تقتضي أكل الطعام، وتملك المال، ولا يلزم أحد أن يتملك مالًا بغير اختياره.

2 -إن الزكوات مع وجوبها على الأعيان لا يلزم المدفوع له أن يتملكها، فكان غيرها أولى.

الرأي الراجح

والذي يظهر لي مما تقدم أن إجابة الدعوة إلى الوليمة واجبة سواء في عرس أو غيره وذلك؛ لكثرة الأدلة الواردة في الأمر بوجوب إجابة الدعوة، ولم يرد ما يصرف هذا الأمر إلى الندب، بل ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- ما يؤكد هذا الوجوب، فقد روي ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو غيره» [2] ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب» [3] .

وقال أيضًا: «أئتوا الدعوة إذا دعيتم» [4] وفي لفظ: «أجيبوا» [5] . فهذه كلها أدلة واضحة الدلالة على الوجوب لا على الندب.

2 -إن إجابة الدعوة من حق المسلم على المسلم فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» [6] .

(1) الحاوي الكبير جـ 9/ 557.

(2) أخرجه مسلم (النووي) كتاب النكاح - باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة من 3 جـ 1/ 235.

(3) أخرجه مسلم. نفس الكتاب والباب. المصدر نفسه.

(4) أخرجه مسلم. المصدر نفسه.

(5) أخرجه مسلم. المصدر نفسه.

(6) أخرجه البخاري (فتح الباري) كتاب الجنائز - باب الأمر بإتباع الجنائز جـ 3/ 135، وأخرجه مسلم (النووي) - كتاب السلام - باب من حق المسلم على المسلم رد السلام، وجاء في رواية أخرى لمسلم «وخمس تجب للمسلم على أخيه رد السلام» نفس الكتاب والباب. م5 جـ 14/ 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت