فهرس الكتاب
وعن البراء -رضي الله عنه- قال: «أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت [1] العاطس ونهانا ... » [2] .
وإذا كانت الإجابة حقًّا على المسلم ومأمورًا بها بمقتضى الإخوة الإسلامية لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [3] كان حريًّا بالمسلم أن يجيب الدعوة لأنها صارت واجبة.
3 -إن في عدم الإجابة كسر لقلب أخيه المسلم مما ينتج عنه التباغض والعداوة وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله أخوانا» [4] .
فقد أمرنا [5] رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتعامل ويعاشر بعضنا بعضًا معاملة الأخوة، ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير، ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال. وقد عبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن كل هذه المعاني الجميلة أيضًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» [6] و قال أيضًا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [7] .
فقد صرح [8] الحديثان بتعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم، والملاطفة، والتعاضد، من غير إثم ولا مكروه.
ولا شك أن إجابة الدعوة إذا لم يكن ثمة عذر تتحقق بها هذه المعاني. والله أعلم.
وإذا قلنا إن إجابة الدعوة واجبة، فهل وجوبها من فروض الأعيان أم من فروض الكفايات؟
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
الأول: أنها من فروض الأعيان، فيجب على كل من دعي إليها أن يجيب، ما لم يكن معذورًا بالتأخر عنها، وبهذا قال المالكية [9] في الظاهر من المذهب والشافعية [10] في أحد الوجهين.
الثاني: أنها من فروض الكفايات، فإذا أجاب من دعي ممن تقع به الكفاية سقط وجوبها عن الباقين وإلا أثموا أجمعين، وبهذا قال الشافعية [11] في وجه آخر وهو رواية عند الحنابلة [12] .
(1) تشميت العاطس: الدعاء له بالخير، كأن يقول له: يرحمك الله. المعجم الوجيز/ 350.
(2) أخرجه البخاري (فتح الباري) كتاب الجنائز - باب الأمر بإتباع الجنائز جـ 3/ 135.
(3) سورة الحجرات من الآية 10.
(4) أخرجه مسلم (النووي) كتاب البر- باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر من 6 جـ 16/ 116.
(5) شرح النووي على صحيح مسلم من 6 جـ 16/ 116.
(6) أخرجه مسلم (النووي) كتاب البر - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم من 6 جـ 16/ 139.
(7) أخرجه مسلم، نفس الكتاب والباب من 6 جـ 16/ 140.
(8) شرح النووي على صحيح مسلم من 6 جـ 16/ 139.
(9) سراج السالك شرح أسهل المسالك جـ 2/ 65.
(10) الحاوي الكبير جـ 9/ 558، كفاية الأخيار جـ 2/ 43.
(11) المصدر نفسه.
(12) المبدع جـ 7/ 180، الإنصاف جـ 8/ 318.