فهرس الكتاب
ولكن ينبغي لمن دعي وهو صائم أن يخبر رب الوليمة بصومه ليعملوا عذره، فتزول عنه التهمة في ترك الأكل، لما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه أجاب دعوة وهو صائم، فقال: «إني صائم، ولكن أحببت أن أجيب الداعي، فأدعو له بالبركة» [1] .
الراجح
بعض العرض السابق لمسألة الأكل من الوليمة يظهر لي أن الراجح هو ما ذهب إليه القائلون بأن الأكل من الوليمة ليس بواجب مطلقا للمفطر ولكن يستحب لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم, وإن شاء ترك» [2] .
فقد أفاد قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن شاء» التخير بين الأكل وعدمه، وأفاد قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفرطا فليطعم» [3] . الوجوب.
فعملا بدليلي التخيير والوجوب الواردان في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن شاء» «فليطعم» قلت بأن المستحب الأكل من الوليمة لمن كان مفطرًا لا سيما وأن الدليلين صحيحان لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولأن الأكل من الوليمة فيه تطييب لنفس الداعي وجبر لخاطره.
أما الصائم فإن كان متطوعًا بالصوم فيستحب له أيضًا الفطر لا سيما بعد ورود الأدلة التي تجيز للمتطوع الفطر دون قضاء منها:
1 -ما روي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: «آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة [4] فقال: لها ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال له: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل» [5] .
فقد دلَّ [6] الحديث على جواز الفطر من صوم التطوع وهو قول الجمهور ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب خروجًا من الخلاف.
2 -ولما روي عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- قال: «إن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتيني فيقول: أعندك غداء؟ فأقول: لا، فيقول: إني صائم، قالت: فأتاني يومًا فقلت: يا رسول الله، إنه قد أهديت لنا هدية، قال: وما هي؟ قلت: حيس [7] ، قال: أما إني أصبحت صائمًا، قالت: ثم أكل» [8] .
(1) المصدر نفسه/ 5.
(2) الحديث سبق تخريجه عند مسلم من 3 جـ 9/ 235، 236.
(3) أخرجه مسلم المصدر نفسه.
(4) متبذلة: لا لابسة ثياب البذلة وهي ثياب المهنة، والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة. فتح الباري جـ 4/ 248.
(5) أخرجه البخاري (فتح الباري) - كتاب الصوم - باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له جـ 4/ 246.
(6) فتح الباري جـ 4/ 249، 250.
(7) الحيس: تقدم معناه.
(8) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن (تحفة الأحوذي) -كتاب الصوم - باب صيام التطوع بغير تبييت جـ 3/ 373.