فهرس الكتاب
كما روي عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر» [1] .
وإن علم بالمنكر، ولم يره ولم يسمعه فله [2] الأكل والجلوس ولا ينصرف؛ لأن المحرم رؤية المنكر وسماعه ولم يوجد واحد منهما، وله الامتناع من الحضور لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر.
أما لو سمع [3] المنكر ولم يشاهده فلا يتعمد السماع وله الجلوس ولا ينصرف؛ لأن الإنسان لو سمع في منزله معاص من دار غيره لم يلزمه الانتقال عن منزله، كذا هذا.
ثانيًا: إذا لم يعلم بما في الوليمة من معصية:
إذا لم يعلم المدعو بما في الوليمة من معصية، وحضر فوجد لهوًا فإن كان يقدر على منعهم فعل؛ لأنه نهي عن منكر، فإن لم ينتهوا فعند الحنفية [4] ، إن كان اللهو على المائدة لا يقعد؛ لأن استماع اللهو حرام، والإجابة سنة والامتناع عن الحرام أولى من الإتيان بالسنة.
وإن لم يكن على مائدة، فلا بأس بالقعود والأكل ويصبر إن لم يكن مقتديًّا به، فإن كان مقتديًّا به يخرج ولا يقعد؛ لأن فيه إساءة للدين وفتح باب المعصية على المسلمين.
أما عن الشافعية [5] والحنابلة [6] : فإن كان يقدر على منعهم فعل لقوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [7] .
فإذا لم ينتهوا فإن المدعو ينصرف، فإن قعد حرم عليه القعود للأدلة السابقة في تحريم الجلوس على مائة يشرب عليها الخمر، ويقاس على ذلك سائر المعاصي الأخرى.
مما تقدم يتبين لي أن المدعو إن كان قادرًا على إزالة المنكر يجب عليه الحضور لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [8] فإن لم يقدر سواء علم قبل حضوره أو لم يعلم فلا تلزمه الإجابة؛ لأن الغالب في الولائم في وقتنا الحاضر اشتمالها على المعاصي، أما الولائم الإسلامية التي تجعل النساء في جانب عن الرجال، فالواجب إجابة الدعوة إليها وتعميمها.
(1) الحديث صححه الألباني من طريق ابن عمر. إرواء الغليل جـ 7/ 6، وأخرجه البيهقي من طريق جابر- كتاب الصداق (جماع أبواب الوليمة) - باب الرجل يدعي إلى الوليمة وفيها المعصية نهاهم فإن نحوا ذلك عنه وإلا لم يجب جـ 11/ 72، وأخرجه الدارمي - كتاب الأشربة - باب النهي عن القعود على مائدة يدار عليها الخمر جـ 2/ 153.
(2) تقريرات الشيخ محمد عليش بهامش حاشية الدسوقي جـ 2/ 337، الحاوي جـ 9/ 563، المبدع جـ 7/ 184.
(3) الحاوي جـ 6/ 563.
(4) الاختيار لتعليل المختار جـ 4/ 33، نتائج الأفكار (تكملة فتح القدير) جـ 10/ 12.
(5) كفاية الأخيار جـ 2/ 43.
(6) الكافي لابن قدامة جـ 3/ 81.
(7) سورة آل عمران من الآية 110.
(8) أخرجه مسلم (النووي) - كتاب الإيمان - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان م1 جـ 2/ 22، 25، وأخرجه البيهقي - كتاب الصداق (جماع أبواب الوليمة) - باب الرجل يدعي إلى وليمة وفيها المعصية نهاهم ف إن نحو ذلك عنه وإلا لم يجب. السنن الكبرى جـ 11/ 72.