فهرس الكتاب
فقد حذر [1] النبي -صلى الله عليه وسلم- من صحبة من ليس بتقي، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته؛ لأن المطاعم توقع الألفة والمودة في القلوب.
20 -تكره دعوة الأغنياء دون الفقراء إذ إن ذلك من عادات الجاهلية، ولا بأس أن يميز الداعي بين الأغنياء والفقراء، فيطعم كلٍّ على حدة كما فعل ابن عمر -رضي الله عنهما.
21 -الأكل من الوليمة ليس بواجب على من حضر ولو مفطرًا إذ الواجب الإجابة إلى الدعوة؛ لأنه الذي أمر به الله ورسوله وتوعد على تركه لا الأكل، ولكن يستحب الأكل للمفطر، أما الصائم: فإن كان صومه فرضًا لم يجز له الفطر؛ لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلًا جاز له الفطر أو الصوم، فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل له الفطر، وإن كان لا يشق كان إتمام الصوم أولى.
22 -لا يعتبر الصوم عذرًا مانعًا من الحضور، فالصائم يحضر ويدعو لأهل الطعام بالبركة، ويخبرهم بصومه ليقبل عذره في عدم الأكل.
23 -يحرم [2] أخذ طعام من الوليمة بغير إذن صاحبه، لما فيه من الافتيات عليه، فإن علم بقرينة رضا رب الطعام فقد قيل: يكره، وقيل: يباح.
24 -يحرم ذهاب غير مدعو، ويحرم أكله إن ذهب إلا بإذن من رب الطعام فيجوز أكله وحضوره.
يقول [3] النووي في هذا المقام: المدعو إذا تبعه رجل بغير استدعاء ينبغي له أن لا يأذن له وينهاه، وإذا بلغ الباب دار صاحب الطعام أعلمه به ليأذن له أو يمنعه، ويستحب لصاحب الطعام أن يأذن له إن لم يترتب على حضوره مفسده، بأن يؤذي الحاضرين حضوره، أو يشيع عنهم ما يكرهونه، أو يكون جلوسه مزريًا بهم لشهرته بالفسق ونحو ذلك. فإن خيف من حضوره شيء من ذلك لم يأذن له، وينبغي أن يتلطف في رده، ولو أعطاه شيئًا من الطعام كان أليق به وأحسن، ليكون ردًّا جميلًا.
25 -يجوز حضور دعوة من دعا الناس دعاء عامًّا ولا يكون الحضور حرامًا أو من باب التطفل اعتبارًا بالإذن العام المتقدم، وهذا يعني أن الدعوة قد تكون لناس معينين ومبهمين.
26 -يكره النثار في الأفراح، وهو ما يلقى على رءوس الآكلين من حلوى ونقود، إذا كان يترتب عليه مفسدة، من إسقاط المروءة أو مفسدة الإفضاء إلى التقاتل والمزاحمة، والأفضل تقسيمه بين الحاضرين كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم.
27 -يفارق [4] النثار طعام الوليمة، من حيث إن من أخذ شيئًا من النثر فإنه يكون ملكًا له، وكان مخيرًا بين أكله، أو حمله إلى بيته أو بيعه، بخلاف طعام الوليمة الذي لا يملكه إلا بأكله في موضعه اعتبارًا بالعرف في الحالين، والقصد المفرق بين الأمرين.
28 -يشترط لوجوب إجابة الدعوة: أن تكون الوليمة غير مشتملة على منكر من شرب خمر أو راقصات أو مغنيات، فإن اشتملت على منكر، فقد اعتبر بعض الفقهاء ذلك عذرًا مانعًا من الحضور، وذهب البعض الآخر إلى التفصيل في المسألة كما بينتها فيما سبق.
29 -مما يباح في وليمة العرس:
أ الضرب بالدف إذا سلم الاجتماع عليه من اختلاط الرجال بالنساء؛ لأنه لا بأس بإظهار الفرح والسرور.
ب اتفق [5] الفقهاء على إباحة الغناء الفطري الذي لا يتنافى مع الشيم العربية الإسلامية والأخلاق الفاضلة، وذلك في مواطن السرور المشروعة كالعرس وقدوم الغائب وأيام الأعياد ونحوها، بشرط أن لا يكون المغني امرأة في حضرة أجانب. يقول [6] الشيخ أبو حامد الغزالي: ولا يكره السماع عند العرس والوليمة والعقيقة وغيرها، فإن فيه تحريكًا لزيادة سرور مباح أو مندوب، ويدل عليه ما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أن أبا بكر -رضي الله عنه- دخل عليها، وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي -صلى الله عليه وسلم- متغش [7] بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي عن وجه وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد وتلك الأيام أيام منى» [8] ، وفي حديث آخر: «تغنيان وتضربان» [9] . وهذا يعني أن الغناء الذي لا مفسدة [10] فيه مباح، وقد استجاز الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم.
30 -ما يحصل في بعض الأفراح من الغناء المحرم، وما يكون من اختلاط بين الرجال والسناء، فليس من الإسلام في شيء.
31 -يحرم [11] كل غناء يشتمل على فحش، أو فسق، أو تحريض على معصية، كوصف الجمال والفجور، ومعاقرة الخمور، أو كان فيه تمطيط وتكسر، وعمل يحرك الساكن ويبعث الكامن؛ لأن الغناء من حيث هو كلام، فإن حسنه حسن وقبيحه قبيح، فكل قول يشتمل على حرام فهو حرام.
(1) تحفة الأحوذي جـ 7/ 102.
(2) كشاف القناع جـ 5/ 169.
(3) شرح النووي من 5 جـ 13/ 208.
(4) الحاوي جـ 9/ 566.
(5) فتاوى معاصرة للدكتور يوسف القرضاوي جـ 2/ 492.
(6) سراج السالك شرح أسهل المسالك جـ 2/ 66.
(7) متغش بثوبه: تغطى به. مختار الصحيح للإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. (دار الفيحاء -بيروت- دمشق) / 475.
(8) أخرجه البخاري (فتح الباري) كتاب العيدين باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين جـ 2/ 550.
(9) أخرجه مسلم (النووي) كتاب العيدين باب الرخصة في اللعب يوم العيد من 2 جـ 6/ 183، 184.
(10) شرح النووي م2 جـ 6/ 182، 183.
(11) شرح النووي على صحيح مسلم من 2 جـ 6/ 183، السلسبيل في معرفة الدليل جـ 2/ 739.