لقد وجدتِ الصحوة نفسها في قلب عالم مليء بالمتغيرات والمتناقضات، فبينما كانت مسارات التلقي في الماضي تنحصر ما بين شريط كاسيت مدعوم، وكتيبات موزعة توزيعًا مدروسًا وآخر عشوائيًا، وفتاوى محصورة بشخصيات علمية وأخرى دعوية، إذْ بالأبواب تفتح، وتُفاجأُ الصحوةُ بمثل ما فوجئتُ به عند حديثي لأحد الأصدقاء عندما رأيت ثوبه طويلًا، فقلت له بهدوء عبارة الفاروق رضي الله عنه: ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك، فضغط على زر في جهازه الصغير"اللاب توب"، وفتح لي ملفًا مليئًا بأقوال الفقهاء الأقدمين والمعاصرين عن الخلاف في هذه المسألة، مخرَّجَ الأحاديث، محقَّقَ الأقوال!!
وهنا مربط الفرس كما يقال!
إننا يجب أن نعترف ابتداء أننا في زمن أصبحت معطياتُه مختلفةً عن المعطياتِ السائدة في مرحلة سابقة، وأنَّ الاعتماد على صورة نمطية من الأوصاف والألقاب، وحشد جملة من الأقوال لمنع شخصيات وآراء لم يعد مجديًا ولا مقنعًا ما لم تكن الحجة واضحة فضلًا، والمصداقية لائحة، والموضوعية ظاهرة.
كما أن القاعدة التي اتكأت عليها بعض مدارس الدعوة ومفادها أن وسائل الدعوة توقيفية قد تجاوزها الخطاب الصحوي المعاصر، بل إنَّ الجيل المعاصر حرَّك القواعد التي لم تتحرك من قبلُ عند أساطين العلماء كقاعدة سدِّ الذرائع التي ذهبَ هذا الجيل إلى أنها قابلة للفتح كما هي عبارة ابن تيمية الحرَّاني رحمه الله.
والصحوة الأولى وإن كانت (ملمومة) على نفسها، إلا أنها لم تتشبع بالعافية الكافية والطمأنينة التي تبلغ بها حدَّ السكينة والورع.
فقد تفشّى في بعضها جوانب من الترهل الفكري، والتراجع الفقهي، والخلل الإداري، والتخبط السياسي.
وأسهم ولم يزل في هذا القصور بعض رموز قادة الدعاة والأتباع الطيبين، وزاد أوارها المتفلسفون على السلف الصالحين والدعاة المصلحين، المتورطون بالحسبة على دعاة الأمة وفضلائها!!