الصفحة 37 من 41

لئن كان الطالب يدرس القاعدة الرياضية وهو على مقاعد الدراسة، ويحاول فهمها عن طريق التطبيق العملي، فإن الإمام سفيان الثوري سيد الأساتذة يعلم طلابه هذه القاعدة بقوله: (المال في هذا الزمان سلاح) . ولكنه عندما أراد أن يطبقها عمليًا لم يجعل تطبيقها في محيط المدرسة، بل انطلق ليطبقها في الميدان، وذلك حينما مرّ على بعض طلابه وهم جلوس في المسجد الحرام، فيقول ما يجلسكم؟ فنقول: وما نصنع؟ قال: اطلبوا فضل الله، ولا تكونوا عيالًا على المسلمين.

لقد أخجل سفيان بموقفه هذا بعض العاملين في الدعوة، ممن ينتظرون إخوانهم أن يفتحوا لهم أبواب السماء! ويلحّون بالطلب راغبين بأفضل المناصب، وأجود المكاسب. ولئن استطاع إخوانهم مساعدة الآحاد، فليسوا قادرين على مساعدة كل فرد يود مكسبًا سريعًا.

وزمن اليوم تغيّر أيها الإخوة، فكم من أبناء الدعوة تخرجوا من جامعاتهم ومعاهدهم، وهم ينتظرون مكانًا ليجدوا ويعملوا؟ وكم من أهل الدعوة ممن لم توافق شهادته طبيعة العمل الذي يؤديه؟ أو ممن يجد مضايقة من مرؤوسيه؟

إنَّ قعود الداعية هكذا بلا عمل يؤديه، يشينه بين أفراد قومه، وأهله وعشيرته، ويجعل الناس يسلقونه بألسنةٍ حدادٍ، وهذا ما حدا بأبي يوسف الغسولي أن يعمل ليكف ألسنة الناس عنه، كما يروي أبو بكر المروذي عن بعض المشيخة يقول: سمعت أبا بكرٍ الغسولي يقول: إنه ليكفيني في السنة اثنا عشر درهمًا، في كل شهر درهم، وما يحملني على العمل إلا ألسنة هؤلاء القرّاء، يقولون: أبو يوسف من أين يأكل؟

وفي مثل ظروف اليوم فإن على المؤسسات الدعوية أن تحرص على فتح أبواب العمل لأبنائها، بأن ترشدهم للقوة والنجاح في أعمالهم، وأن تحثهم على التطور في وظائفهم، وأن تكرّم الناجح منهم، وذلك لكي يرتقي في عمله، فلعله أن يتمكن من الإسهامِ في توظيف إخوانه، وترقية من يستحق منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت