هناك تنبيه مهم جدًا، وهو: ليس كل من عذر بالجهل عاريًا عن الإثم، وليس معنى أن إنسانًا عذر بالجهل أننا لا نكفره، فمثلًا: الشخص الذي يجهل فروض الأعيان يحكم العلماء بفسقه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) ، فهناك علم واجب على كل مسلم وفرض لازم عليه أن يتعلمه، وهو علم لا يتم الواجب إلا به، مثل: كيف تصح صلاته، وكيف يصح وضوؤه، وكيف يصح صيامه؟ إلى آخر ذلك.
فالجاهل بفروض الأعيان فاسق كما قال العلماء.
قال الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى: العابد إذا كان عاريًا عن العلم لا يسمى في عرف الشرع عابدًا، بل فاسقًا.
فإذا وجد شخص مجتهد في العبادة لكنه عار عن العلم ومقصر في طلب العلم فإنه لا يسمى في الشرع عابدًا، بل يسمى فاسقًا؛ لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقًا؛ لأنه يرتكب معصية يستمر فيها، وهي هجره لطلب العلم الواجب عليه، فهذا فسوق وخروج عن أمر الله بتعلم ما تصح به العبادات.
يقول: العابد إذا كان عاريًا عن العلم لا يسمى في عرف الشرع عابدًا، بل يسمى فاسقًا؛ لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقًا، كما أشار إليه بعض علمائنا الأجلاء بقوله: وجاهل لفرض عين لم يجز إطلاق صالح عليه فاحترز لأنه بتركه التعلما لم ين فاسقًا يقول العلماء يعني أن الشخص الذي يقصر في طلب العلم الواجب عليه -وهو علم فروض الأعيان- لم يجز أن يسمى صالحًا، ولا يمدح بذلك، فاحترز، يعني: احترز عن أن تصفه بهذه الصفات؛ لأنه بتركه التعلما لم ين -أي: لم يزل- فاسقًا، يقول العلماء: إنه لم يزل فاسقًا بتركه التعلم الواجب عليه.
فالصالح لا يطلق شرعًا إلا على القائم بحقوق الله وحقوق العباد، ولا يمكن ذلك بدون العلم، وقد أشار الناظم المذكور إلى هذا بقوله: وقائم بحق ربه وحق عباده فصالحًا قد استحق فالصالح مرادف للعابد؛ لأن عبادة العابد بدون علم لا تسمى عبادة؛ لأن ما يفسده صاحبها أكثر مما يصلحه، كما أشار إليه الناظم بقوله: إن الذي بدون علم يعبد لا يحسن العمل لكن يفسد فترد أعماله ولا تقبل لخلوها عن العلم، كما أشار إليه العلامة الشيخ أحمد بن رسلان الشافعي في خطبة نظمه المسمى بالزبد بقوله: وكل من بغير علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل ونعود إلى أصل التنبيه، وهو أن العذر بالجهل ليس على الإطلاق؛ فإنه لابد من نوع مؤاخذة إذا كان هناك تقصير.
وكذلك فعل عمر رضي الله عنه حين عذر الحبشية التي زنت مع عدم علمها بحرمة الزنا مع أنها فرطت في التعلم، وكذلك عذر الصحابة الذين شربوا الخمر متأولين، لعدم تقصيهم معرفة الحلال والحرام.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: القسم الثاني: متمكن من السؤال وطلب الهداية ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالًا بدنياه ورياسته ولذاته ومعاشه، فهذا مستحق للوعيد، وآثم بترك ما أوجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته.
انتهى كلام ابن القيم.
فالقول هنا لا يكفر هذا الشخص بل يؤثمه؛ لأنه ليس بمعرض عن الشريعة بالكلية، ولم يكذب الرسول صلى الله عليه وسلم، بل مراده اتباعه، وخالف النبي عليه الصلاة والسلام عن جهل مع تمسكه بشيء من الشرع، ومع هذا لم يعرض عن الشرع جملة، ففرق بينه وبين من لم يقصد اتباع الدين أصلًا.