فهرس الكتاب
خير شاهد على هذا قَوْلَةَ أبي جهل التي يرويها ابن هشام وغيره ، أن أبا جهل كان ( إذا سمع بالرجل قد أسلم ، له شرف ومنعة أَنّبَهُ وأخزاه وقال له تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنسفهن حلمك ، وَلَنُفَيّلَنّ رأيك ، ولنضعنَّ شرفك ؛ وإن كان تاجرا قال والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك ؛ وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به ) .
وعَقَدَ ابنُ هشام فصلا أسماه ( ذِكْرُ عُدْوَانِ المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتنة ) وقال تحته: ( ثم إنهم عَدَوْا على من أسلم ، واتبع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر ) أ . هـ .
ومشهور ومعلوم في السيرة النبوية أن المشركين كانوا يسخرون من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتصنعون ذلك { وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا } [ الفرقان:41] ، ومن أتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولون تبعه العبيد والفقراء وغير ذلك ، وهو دأبهم في كل زمان ومكان {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } [ الشعراء:111]
ونلاحظُ في تعاملِ الجاهليةِ مع الدعوةِ هو أن الأسلوبَ كان يتصاعدُ مع نمو الدعوةِ ، فقد كان الأمرُ في بدايتهِ إإهمالا .. لم يتلفتوا إليه وهو يتحنث الليالي ذوات العدد في الغار ، ولا حين بدأت الدعوة سرية ، ثم حين جاهرهم كان الرد كلاما ، ومحاولةً للوصولِ إلى حلٍ وسطٍ ، ، وكانوا يراعونَ الأعرافَ القبليةَ ، ثم حين لم يُغنِ هذا طوَّرت الجاهليةُ أساليبها وتنكرتْ لأعرافها ، وعذبت أبنائها بل وقاتلتْهم وقتلتهم ، وهي التي تقول ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) .!!