فقام عليه السلام يدعو ربه سرا أن يرزقه بالولد رغم كبر سنه، وعقر زوجته [1] ، لكنه كان عالما بقدرة الله جل وعلا في تغيير الأسباب والمسببات، فرغم انقطاع الأسباب إلا أنه كان على يقين من قوة الله وقدرته، فقام يدعو ربه سرا، متوسلا بحاله لرب العالمين، وحاجته للولد الذي يحمل هم هذا الدين، قال تعالى: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) [2] .
والوراثة المذكورة هنا ليست وراثة المال، فإن الأنبياء كما يقول النبي لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر [3] .
والدليل على أن المراد من الوراثة هنا هي وراثة العلم أمران:
الأول: أنه يخشى على مواليه، ولو كان يريد المال لما تمنى الولد، إذ أن الولد يرث بدلا منهم بل ويحجبهم من الميراث.
الثاني: أنه يريد ميراث آل يعقوب، وكان ميراث آل يعقوب النبوة لا غير.
وهنا دارت المناجاة بين زكريا عليه السلام وبين ربه، قال تعالى: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا
(1) - لم يرد ذكر اسم زوجته في نصوص الكتاب والسنة، واسم"أليصابات"إنما هو مأخوذ من أهل الكتاب.
(2) - مريم (2 - 6)
(3) -صححه الألباني في صحيح ابن ماجة (183) ، الترمذي (2682)